EN | FR

مجلس البطاركة والاساقفة الكاثوليك في لبنان
اللجنة الأسقفية لوسائل الإعلام في لبنان
المركز الكاثوليكي للإعلام في لبنان

"إهانة" المسيحيّين في الميلاد... رموز المغارة والشجرة، و"إيّاكم الاستهتار"

هالة حمصي

المصدر: النهار

  • 20 كانون الأول 2017

شجرة الميلاد قد تصبح "احتقارا" للمسيحيين. ومغارة الميلاد قد تسيء الى المسيحية برمتها، اذا استُغِلَّت لغايات تخدم الدعاية التجارية. الرمزية في مغارة الميلاد وشجرته "مسيحيّة بامتياز"، حتى أصغر التفاصيل. "اي ابتعاد عنها اهانة للمسيحيين"، على ما يؤكد رئيس دير الآباء الكرمليين في القبيات الاب ميشال عبود الكرملي لـ"النهار".

يسوع المسيح هو صاحب العيد، "محور كل شيء" في المغارة والشجرة. مريم العذراء، القديس يوسف، ملائكة، نجم، ملوك المجوس، رعاة، ثور وحمار... كلّ من اشخاص المغارة له رمزية عميقة في الكتاب المقدس. وللشجرة الخضراء والتفاح الاحمر والكرات الملونة وغيرها من الزينة، رمزيتها المسيحية الخاصة. ماذا عن شجرة الطائرة المحطمة؟ شجرة الأحذية والبيرة؟ "اياكم الاستهتار برموز المسيحيين"، يحذّر عبود.  

 

 

 

 

المذود 

المصدر الانجيل. وعندما يتكلم على ميلاد المسيح، "يشير الى ولادته في مذود"، على قول عبود. اي ذكر للمغارة لم يرد فيه. "اذا عدنا الى طبيعة الارض في ذلك الزمن، نجد ان البشر والحيوانات كانوا يعيشون في مكان واحد. وكل ما فضل من حيوانات، ولم يجدوا لها مكانا تعيش فيه، كانوا يضعونها في ما يسمى بالعامية "قبوة" او "لطوة"، اتقاء للامطار والشمس".  

انطلاقا من ذلك، "نقول ان يسوع المسيح ولد خارج اطار المنزل"، على ما يشرح، "وانه لم يجد لم مكانا له في المضافة، وبالتالي ولد في ذلك المكان". في تلك الايام، "صدر أمر عن القيصر اوغسطس باحصاء جميع أهل المعمور"، وفقا للانجيل، و"صعد يوسف ايضا من الجليل من مدينة الناصرة الى اليهودية الى مدينة داود التي يقال لها بيت لحم... ليكتتب هو ومريم خطيبته، وكانت حاملا. وبينما هما فيها حان وقت ولادتها. فولدت ابنها البكر، فقمطته وأضجعته في مذود لانه لم يكن لهما موضع في المضافة" (لوقا 2: 1-6).

 

اول مغارة "حيّة"

يجب الانتظار الى القرن الثالث عشر ليشهد العالم "اول مغارة حية". وقد حققها القديس فرنسيس الاسيزي في غريتشيو- ايطاليا ليلة الميلاد العام 1223. في التقليد الفرنسيسكاني، يُحكَى ان فرنسيس كان موجودا في غريشيو في ذلك الوقت. "قال لاحد اصدقائه الذي وضع بتصرف "اخوة فرنسيس"، مغارة في الجبل في تلك البلدة الايطالية: أريد ان احتفل معك بالميلاد في المغارة هذه السنة. جَهِّز معلفا ممتلئا بالقش، وأجلب ثوراً  وحمارا. يجب ان يشبه المغارة التي ولد فيها يسوع".

أراد بذلك أن يجسد اطار الحياة البسيط والمتواضع الذي ولد فيه الطفل الالهي على الارض. يومذاك، جاء كل سكان المدينة الى المغارة، "حيث شاركوا فرنسيس واخوته في قداس منتصف الليل. وقد احتُفل به فوق المعلف الذي تحوّل مذبحا"، وفقا للتقليد الفرنسيسكاني

 

في السنة التالية، انتشرت "المغارات الحية" في المناطق المجاورة لغريتشيو، بعدما تناقل الاهالي خبر مغارة فرنسيس. وامتد تقليدها لاحقا الى مختلف ارجاء اوروبا. ابتداء من القرن السادس عشر، اعتمد الكاثوليك المغارات في شكلها الحالي، اي بتماثيل من خشب او خزف او زجاج، تمثل "العائلة المقدسة".  

"الحدث الخلاصي

الطفل يسوع هو صاحب العيد. وهو دائما في وسط المغارة، "مقمط في مذود"، "محور الحدث الخلاصي"، وفقا للشرح الكنسي. في كل مغارة، توجد ايضا مريم التي "قمطت" وليدها و"اضجعته في مذود" (لوقا 2). انها المرأة الوحيدة في المغارة، تلك التي حيّاها الملاك جبرائيل بـ"ايتها الممتلئة نعمة، الرب معك" (لوقا 1: 28). وكانت في حالة تأمل" تجاه كل الامور التي كانت تحصل (لوقا 2: 19). قربها "خطيبها" يوسف "الصامت" دائما في الانجيل، المصغي الى صوت الله، حارس "كلمة الله"، وفي خدمته. يوسف ومريم يرمزان الى "الإنسانيّة كلّها"، بحيث يمثّل الرجل والمرأة معاً "صورة الله ومثاله" (تكوين 1: 27)، وفقا لبعض الشروح.

في المغارة، نجد ايضا ثورا وحمارا، وذلك تذكيرا بما جاء في الكتاب المقدس ان "الثور والحمار عرفا الرب، واسرائيل لم يعرفه" ( أشعيا 1: 3). وهناك ايضا اغنام، رمزا لخراف المسيح التي "يدعو كل منها باسمه... ويسير قدامها" (يوحنا 10: 3). النجم هو الذي ظهر في السماء، "في المشرق"، وقاد ملوك المجوس الى يسوع (متى 2: 2). وهو الذي يقود البشر الى الله، ويوضع اعلى المغارة.

ملوك المجوس: أتوا من بلاد فارس، وسجدوا امام الطفل يسوع، مقدمين اليه الهدايا، "ذهبا وبخورا وومرا" (متى 2: 11). انهم يمثلون فئة المتعلمين والاغنياء. ملاك الرب: بشّر الرعاة بـ"بفرح عظيم"، وانضم اليه جند السماويين منشدين المجد لله في العلى (لوقا 2: 9-14). في العبرية، الملاك "مرسل الله". الرعاة: ظهر عليهم الملائكة و"جاؤوا مسرعين" (لوقا 2 16). انهم يمثلون فئة الفقراء والبسطاء.

هذه هي العناصر الاساسية في كل مغارة ميلاد. في قراءة لها، يجد عبود "تقاربا بينها وبين مغارة القبر. عندما ولد المسيح، لُفَّ بالاقمطة. وعندما مات، لُفَّ بالاكفان. عندما ولد، ولد في مغارة. وعندما دفن، دفن ايضا في مغارة. في ميلاده، جاء المجوس يسألون: "اين ملك اليهود الذي ولد؟ جئنا لنسجد له" (متى 2: 2). وعند صلبه، علّقت اعلى الصليب عبارة: ملك اليهود". ويتدارك: "لذلك نقول ان للمغارة دورها، وان لا معنى لعيد الميلاد من دونها، لان فيها يوضع الطفل يسوع والعذراء ومريم ويوسف".  

واذا كان الطفل يسوع "صاحب العيد"، فمن الضروري، في رأيه، التنبه الى الزينة المستخدمة في صنع مغارة الميلاد. "عندما تكون زينتنا بعيدة من الاضاءة على حضور المسيح، نقول انها تبقى وثنية، ونكون نشارك هيرودس عصرنا في قتل يسوع في ساحاتنا وعبر زينتنا".

 

شجرة الحياة 

الى جانب مغارة الميلاد، هناك ايضا شجرة الميلاد. في الاصل، "ليست من التراث المسيحي"، على ما يوضح عبود. تقليدها وثني، "وكانت تدخل في الاعياد الوثنية. لكن المسيحيين استخدموها"، على قوله، كما استخدموا تقاليد وثنية اخرى كثيرة. في الرواية، وفقا له، "عندما قصد مبشرون بعض القبائل الوثنية لتبشيرها بالمسيح، وجدوا انها كانت تعبد الشجرة وتقدم اليها الذبائح. فما كان من احد المرسلين سوى ان قطع شجرة امام ابناء القبيلة، وقال لهم: هذه ليست الها. وبشرهم بالإله يسوع المسيح".

ظهرت شجرة الميلاد ابتداء من العصور الوسطى. وقد رفعت امام الكاتدرائيات، حيث اقيمت عروض عن تاريخ الكتاب المقدس. في البداية، زُيِّنت الاشجار بفواكه حمراء، خصوصا التفاح الاحمر، رمزا لشجرة الحياة في سفر التكوين (2: 9). وقد الهمت لاحقا كرات عيد الميلاد. ووفقا للمعلومات، ظهر هذا التقليد في الالزاس-فرنسا نحو العام 1521، ثم المانيا حيث استخدمت الشموع في تزيين الشجرة. وتم تعميم شجرة الميلاد في ارجاء اوروبا ابتداء من القرن الثامن عشر.

رمز الشجرة الذي عنى للوثنيين "تجدّد الحياة" وانتشر في القرون القديمة والوسطى، حوّله المسيحيون رمزا مسيحيا وادخلوه في "اعيادهم من ناحية الزينة الخارجية، واعطوه المعنى المسيحي اللاهوتي"، على قول عبود. ماذا تعني الشجرة لاهوتيا؟ "بسبب شجرة معرفة الخير والشر (التكوين 2: 9) سقط الانسان وأضاع صداقته ورفقته لله، لان الشيطان أغواه، فأكل من ثمرة الشجرة. واصبحت شجرة الموت، بدلا من ان تكون شجرة الحياة. لكن المسيح جاء، وبه دخلت النعمة الى حياتنا. وبذلك اصبح هو هذه الشجرة، هذه الكرمة، وعُلِّق على شجرة الحياة التي هي الصليب. وبالتالي نعطي شجرة الميلاد معنى شجرة الحياة. وما الزينة التي تُزيَّن بها سوى جمال الفضائل الالهية التي تعكس جمال النفس التي تعيشها".

 

اضواء واجراس وملائكة... 

من شروط شجرة الميلاد ان تكون خضراء، وخضارها دائم، لكونها ترمز الى الحياة، وربّ الحياة الذي "به كان كل شيء، وبدونه لم يكن شيء مما كان" (يوحنا 1 1). بالنسبة الى زينتها، فيجب ان تتألق بمظهر الفرح العارم بمجيء المخلص الى العالم، وتعبّر عن فرح الارض بتحقق الخلاص.

الاضواء المتلئلة ترمز الى النور، المسيح الذي هو "نور العالم". وهناك ايضا النجم والملائكة والتفاح الاحمر، والكرات الملونة (شرحت رمزيتها سابقا). الاجراس تمثل اجراس الكنائس وقرعها فرحا. الشموع ترمز الى الرب يسوع. السمكة من اقدم الرموز المسيحية. الاكليل يرمز الى الطبيعة الخالدة للحب الالهي، وايضا النصر. العصا ترمز الى ان يسوع هو الراعي الصالح، والمرساة تذكر بانه المنقذ ومرساة الايمان. التاج يعني ملوكية المسيح، والحمامة ترمز الى الروح القدس. والاشرطة الملونة تذكّر برباط المحبة بين المسيحيين...    

 

اهانة واستهتار 

رمزية متجذرة في قرون مديدة من المسيحية. وبعيدا منها، لن تكون شجرة الميلاد رمزا مسيحيا. اشعلت شجرة الطائرة المحطمة في مطار بيروت الانتقادات، واستفزت مسيحيين بسبب بشاعتها وابتعادها عن الرمزية المسيحية. في محل تجاري، زينت الشجرة بأحذية للبيع. واستخدمت قناني بيرة في صنع شجرة، دعاية للماركة. وفي بلدات، ارتفعت اشجار الموز والليمون، رمزا لخيراتها.

لكن اي زينة ميلادية "لا صلة لها بالمسيحية تعاكس"، في رأي عبود، "الرموز المسيحية ومعناها". وبالتالي يرى فيها المسيحيون "اهانة لرموزهم الدينية". ويتدارك: "اذا استخدم بعضهم الاشجار المثمرة، كالليمون والموز وغيره لزينة الشجرة، فالامر ممكن اذا أُعطِيَت معنى الحياة. فمن ثمار هذه الاشجار يعيش الانسان. اما ما شاهدناه في مطار بيروت وغيره، فنعتبره اهانة للرموز المسيحية الدينية، ونرى فيها استهتارا واستخفافا بالزينة المسيحية".