EN | FR

مجلس البطاركة والاساقفة الكاثوليك في لبنان
اللجنة الأسقفية لوسائل الإعلام في لبنان
المركز الكاثوليكي للإعلام في لبنان

ارتفاع الصليب المقدس...

tayyar.org

13

SEPTEMBER

2017

 

 

زينا خليل معوشي-

قال الربّ يسوع: "لَقَدْ حَانَتِ السَّاعَةُ لِكَي يُمَجَّدَ ابْنُ الإِنْسَان. أَلـحَقَّ الـحَقَّ أَقُولُ لَكُم: إِنَّ حَبَّةَ الـحِنْطَة، إِنْ لَمْ تَقَعْ في الأَرضِ وتَمُتْ، تَبْقَى وَاحِدَة. وإِنْ مَاتَتْ تَأْتِي بِثَمَرٍ كَثِير(يوحنا 12:  20-32) ". فقد تحدث يسوع عن الصليب الّذي كان سائرًا صوبه وكان يحضّر تلاميذه لقبوله كآية لمجد محبّة الله... فموت حبّة الحنطة مؤقّت أمّا الحياة المنبثقة منها تستمرّ في ثمارها لتصبح منتجة للحياة.وللخوض أكثر في معنى عيد ارتفاع الصليب اجرينا مقابلة خاصة مع الخوري نسيم قسطون.

 

كيف أضيف تذكار عيد ارتفاع الصليب ؟

في هذا السياق سرد لنا الأب قسطون ما ورد في السنكسار الماروني:

"نقيم في هذا اليوم تذكار ظهور الصّليب للملك قسطنطين الكبير في الحرب ضد عدوّه مكسنسيوس. وذلك أنّه لما قرُب من روما، إستعان بالمسيحيين واستغاث بإلههم يسوع المسيح وإله والدته هيلانه لينصره على أعدائه. وبينما هو في المعركة ظهر له الصليب في الجو الصافي، محاطاً بهذه الكتابة بأحرف بارزة من النور: "بهذه العلامة تظفر" فاتّكل على إله الصليب، فانتصر على مكسنسيوس، وآمن بالمسيح هو وجنوده. وجعل راية الصليب تخفق في راياته وبنوده. بعدها، أمر بهدم معابد الأصنام وشيّد مكانها الكنائس. ومنذ ذلك الحين، اي منذ عام 330، عمَّ الاحتفالُ بعيد الصليب الشرقَ والغربَ.

في سنة 326 ذهبت القديسة هيلانة والدة الملك قسطنطين الكبير الى اورشليم قصد الكشف عن قبر المخلّص وصليبه المقدس. وبالاتفاق مع القديس مكاريوس أسقف اورشليم. أفرغت الجهد في التنقيب إلى أن كشف المنقبون عن مغارة وجدوا فيها ثلاثة صلبان. وبمَا أن الرقّ الّذي علقه بيلاطوس على صليب المخلّص كان مفصولاً عنه، فلم يعرف أي صليب من الثلاثة هو صليب المخلّص. فبإِلهام إلهيّ إقترح البطريرك مكاريوس أن توضع واحداً تلو الآخر على جثة أحد الموتى الذين كانت تمر جنازتهم بالمكان في ذلك الوقت، فعندما وضع الصليب الأول والثاني لم يحدث شيء، وعندما وضع الصليب الثالث، عادت للميت الحياة، أيضاً وضعوا الصليب على إمراة مريضة فشفيت في الحال، فرفع البطريرك مكاريوس خشبة الصليب ليراها الجميع. وكان ذلك بحضرة الملك وأمام جمع غفير. فدهش جميعهم ومجدوا الله. ثم وجدوا المسامير التي سمّرت بها يدا المخلّص ورجلاه مع الرقّ الذي كان على صليبه. فشطرت الملكة الصليب جزئين أرسلت أحدهما الى إبنها الملك قسطنطين الذي حفظه في كنيسة القسطنطينية. ووضعت الآخر في أورشليم ليكرّمه الزائرون...

وقد شيّدت هيلانة وابنها قسطنطين كنيسة فخمة على قبر المسيح هي آية في البناء. ابتدأ بنيانها سنة 326 وانتهى سنة 335 وقد دشّنت في ليل 13-14 أيلول.

في 4 أيار 614 كان كسرى ملك الفرس قد دخل اورشليم ظافراً وأسرَ الوف المسيحيين وفي مقدمتهم البطريرك زكريا، ونقلهم الى بلاده، وأخذ ذخيرة عود الصليب الكريم غنيمةً، وبقيت في حوزته أربع عشرة سنة.

ولما انتصر هرقل الملك على الفرس، كانت أهم شروطه إطلاق المسيحيين الأسرى وإرجاع ذخيرة عود الصليب. وكان كسرى قد مات وملك مكانه إبنه سيراوس فقبل هذا بالشروط وأطلق الأسرى سالمين مع البطريرك زكريا بعد أن قضوا في الأسر 14سنة، وسلّم ذخيرة عود الصليب الى هرقل الملك وكان ذلك سنة 628. فأتى بها هرقل الى القسطنطينية التي خرجت بكل ما فيها الى استقباله بالمصابيح وتراتيل النصر والابتهاج. وبعد مرور سنة جاء بها الإمبراطور هرقل الى أورشليم ليركّز عود الصليب في موضعه على جبل الجلجلة. فقام لملاقاته الشعب وعلى رأسهم البطريرك زكريا. فاستقبلوه بأبهى مظاهر الفرح والبهجة بالمشاعل والترانيم البيعية، وساروا حتى طريق الجلجلة.  وهناك توقف الملك بغتة بقوة خفية وما أمكنه أن يخطو خطوة واحدة. فتقدم البطريرك وقال للملك: " إن السيّد المسيح مشى هذه الطريق حاملاً صليبه، مكللاً بالشوك، لابساً ثوب السخرية والهوان، وأنت لابس أثوابك الأرجوانيّة وعلى رأسك التاج المرصّع بالجواهر، فعليك أن تشابه المسيح في تواضعه وفقره".

فأصغى الملك الى كلام البطريرك، وارتدى ثوباً حقيراً ومشى مكشوف الرأس، حافي القدمين، فوصل الى الجلجلة، حيث ركّز الصليب في الموضع الذي كان فيه قبلاً".

 

هل يجب إشعال النار وهل لذلك معنى ديني أم هي فقط عادات قديمة؟!

ردًا على هذا السؤال قال الأب قسطون :" عادة إشعال النّار على الجبال وأسطح الكنائس والمنازل أو في الساحات العامة ترجع إلى النار التي أمرت القديسة هيلانه بإشعالها من قمة جبل إلى أخرى لكي يصل خبر إكتشافها للصليب لإبنها قسطنطين، إذ كانت النار هي وسيلة التواصل السريع في ذلك الزمان".

وأضاف:" في أيّامنا، ليس أحدٌ ملزماً بإشعال نار بالمعنى الحرفي بل يمكن الإكتفاء بالشموع أو بإنارة كهربائية لدرء خطر اشتعال النيران. والمقصود من العادات هو المعنى الروحيّ وليس مجرّد عيش تقليدٍ ما، فيما نهمل الجوهر من عيد وهو التركيز على المعنى الرّوحي للصليب كعلامة لآلام وموت وقيامة ربّنا يسوع المسيح".

 

كيف على المسيحي المؤمن أن يمارس عيد الصليب؟

أشار الأب قسطون إلى أنّ " مار بولس يدعونا في رسالة عيد الصليب المقدّس (1 قورنتوس 1:  18-25) إلى التأمّل في الصّليب وفي معانيه وإلى إعادة الاندهاش أمام عظمة تضحية مخلّصنا وإلهنا، ربّنا يسوع المسيح، له المجد إلى الأبد، آمين".

وأضاف : " جوهر هذه الرّسالة يتلخّص في مطلعها: "إِنَّ كَلِمَةَ الصَّلِيبِ عِنْدَ الـهَالِكِينَ حَمَاقَة، أَمَّا عِنْدَنَا نَحْنُ الـمُخَلَّصِينَ فَهِيَ قُوَّةُ الله". ومع الأسف، في أيّامنا، وحتّى في الماضي، اعتاد الكثير من المسيحيّين على النّظر إلى الصليب بنفس منطق "الهالكين" أي:

-الصليب رمزٌ للعذاب والالم: أليس هذا ما يُقال أمام المصائب أو الامراض أو الضيقات؟!

-الصليب رمزٌ للقهرٌ: فكلّما اشتدّت العواصف في حياتهم قالوا: "هذا صليب"!

-الصليب رمزٌ للموت: فهو بالنسبة إليهم عبءٌ وحملٌ ثقيل كالموت.

ولكن تختلف النظرة لدى "المخلّصين" الّذين ينظرون إلى الصّليب بأسلوبٍ معاكس:

-الصليب رمزٌ لقوّة الله: لم ينتقم الله من الصّالبين بل أظهر لهم أنّ قوّة الغفران أعظم من كلّ قوّة أخرى لأنّها تجسّد قوّة المحبّة التي تذهب حتى أقصى الحدود، أي الموت. 

-الصليب رمزٌ للكرامة: لم يعد الصليب بعد الفداء علامةً للقهر بل علامة للانتصار على الذّات أوّلًا و على كلّ ما يبعدنا عن الله ثانيًا و على صعوبات الدنيا ثالثًا.

-الصليب رمزٌ للحياة: كلّما نظر المسيحي أو غير المسيحي إلى الصليب عليه أن يتذكّر بأنّ هذا الصليب يختصر أهمّ مفهومٍ في إيماننا المسيحيّ وهو أنّ المسيح قام، حقًّا قام!

 

 

إذا كان المسيح هو حبّة القمح التي ماتت على الصليب وأنبتت الحياة في القيامة فهل نحن ثمارٌ صالحة ومثمرة؟

أوضح الأب قسطون أنه يمكن أن نكون من إحدى الفئات الثلاثة:

-ثمارٌ تنبت كمعلّمها ومُنبِتِها...

-ثمارٌ غير مكترثة، لا تريد أن تنبت طوعًا واختيارًا...

-ثمارٌ خائفة ومضطربة لأنّها تخشى المغامرة

ففي هذا العيد، نحن مدعوّون كمسيحيّين لإعادة الاعتبار إلى العلامة الأولى لانتمائنا المسيحيّ كي لا تبقى مجرّد قلادة أو شعار فارغين من المضمون بل هو مكوّن من شخصيتنا كشهودٍ للقيامة وهو ما يدعونا لفحص ضميرٍ خاصّةً حين يتناقض ما نقوم به مع أيقونة فداء الله للبشريّة: الصليب الّذي هو انعكاسٌ لقوّة الله الّتي فينا وهو أساس كرامتنا وجسر عبورنا إلى الحياة الأبديّة.