EN | FR

مجلس البطاركة والاساقفة الكاثوليك في لبنان
اللجنة الأسقفية لوسائل الإعلام في لبنان
المركز الكاثوليكي للإعلام في لبنان

الأرض تخسر لونها الأزرق... ذوبان الكتل القطبية وجفاف بحر آرال

نيويورك - علي بردى

  • 15 حزيران 2017 النهار

بعيد قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب الخروج من اتفاق باريس للحد من تغير المناخ، وقف الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس على أرض جرداء ماتت فيها الحياة في أوزبكستان بسبب الجفاف المخيف لبحر آرال. عاين بأم العين كيف يختصر المكان الذي خسر لونه الأصلي ما يمكن أن تفعله يد الإنسان في الكوكب الأزرق.

عندما استضاف الرئيس الأميركي الأعضاء الـ١٥ لمجلس الأمن في البيت الأبيض في نيسان الماضي، سأله البعض عن موقفه من تغير المناخ. أشار أحدهم الى الذوبان المذهل للكتل الجليدية العملاقة في القطبين الشمالي والجنوبي. لم يعرف ما إذا كان أحد أشار على ترامب أن يعاين أيضاً مأساة بحر آرال، الذي كانت مساحته تصل حتى السبعينات من القرن الماضي الى نحو ٦٨ ألف كيلومتر مربع (نحو ستة أضعاف مساحة لبنان). وبحلول عام ٢٠٠٨ لم يبق منه سوى ١٠ في المئة فقط (نحو نصف مساحة لبنان). تخشى الأمم المتحدة أن هذا البحر الذي بدأ اضمحلاله عملياً عام ١٩٧٠ بسبب قرار اتخذه الزعيم السوفياتي نيكيتا خروتشوف في الخمسينات من القرن الماضي بتحويل مجرى نهرين رئيسيين يصبان فيه، سيجف تماماً بحلول سنة ٢٠٥٠.

بعدما فشل في اقناع ترامب، اغتنم غوتيريس رحلته أخيراً الى أوزبكستان للتوقف عند ما كان يعتبر رابعةكبرى بحيرات العالم.حذر من أن مثل هذه "المأساة"يمكن أن تتكرر في أماكن أخرى إذا لم تتخذ الإجراءات المناسبة.وقال: “لنستخدم بحر آرال كرمز لكيفية تدمير البشرية للكوكب، ولنجعله درساً لنا جميعا لكي نتمكن من حشد المجتمع الدولي بأسره لتنفيذ اتفاق باريس - الحكومات، وأصحاب الأعمال، والمجتمع المدني، المدن والدول - من أجل التأكد من أن المآسي مثل تلك التي شاهدتها فى أوزبكستان لن تتكرر”.

الافتراق الدولي - الأميركي

حاول كبير الموظفين الدوليين بوسائل مختلفة تلافي الصدام الذي رآه كثيرون حتمياً مع الإدارة الأميركية بقيادة الرئيس دونالد ترامب. قدم غوتيريس تنازلات في عدد من الملفات الرئيسية. اعترف بأنه تباطأ في اتخاذ مواقف من أحداث تشغل العالم. جعله الإفراط في الحذر يبدو وكأنه "بطة عرجاء" أمام الأميركيين. غير أنه جاهر أخيراً باعتراضات ضد قرار الولايات المتحدة خفض مساهمتها المالية في الأمم المتحدة بنسب تجعل الأخيرة غير قادرة على القيام بالمهمات الملقاة على عاتقها”، وضد قرار الرئيس ترامب الانسحاب من اتفاق باريس، الذي استوجب التوصل اليه نحو عقدين من المفاوضات ووقعت عليه كل دول العالم. تحوّل هذا الإتفاق رمزاً للتعاون الدولي.

هناك أسباب عديدة لمواجهة قرار ترامب، ليس أقلها أن التوصل الى الاتفاقات العالمية من أي نوع يزداد صعوبة، وهذا ما يجعل اتفاق باريس في كانون الأول ٢٠١٥، أول اتفاق دولي حقيقي حول المناخ تجمع عليه كل القوى الصناعية الكبرى في العالم، بالإضافة الى مصادقة الدول الصغيرة أو المتوسطة. إذا تعثر هذا التوافق، سيضطر العالم الى انتظار عقد آخر من الزمن للتوصل الى صيغة جديدة لصفقة جديدة. سيكون على الأرجح قد فات الأوان على إزالة الغازات الدفيئة في الغلاف الجوي.

 

 

 

ولايات أميركية صديقة للمناخ

على رغم قرار ترامب، عبر غوتيريس عن اعتقاده بأن الولايات والمدن ومجتمع الأعمال والمجتمع المدني في الولايات المتحدة“سيواصلون الانخراط” في عملية تطبيق التزامات اتفاق باريس، وبالتالي المراهنة على الاقتصاد الأخضر الذي يعد اقتصاد المستقبل” لأن تغير المناخ أمر لا يمكن إنكاره، ويعد أحدفي الوقت الراهن من أكبر التهديدات للعالم ولمستقبل كوكب الأرض.وقال إن “من سيراهنون على تطبيق اتفاق باريس والإقتصاد الأخضر، سيقومون بدور قيادي في اقتصاد القرن الحادي والعشرين”.

وبالفعل، باشرت ولايات ومدن أميركية العمل فوراً على ملء الفراغ الذي خلفه ترامب بالإنسحاب من اتفاق باريس.

وصارت نيويورك أحدث مدينة أميركية تقدم التزاماً في شأن الإتفاق المناخي. ووقع رئيس البلدية بيل دو بلازيو أمراً تنفيذياً توجه المدينة نحو وضع خطة تفي بالإلتزامات التي نكصتها الحكومة الفيديرالية، والتي تشمل الحد من انبعاث الغازات المسببة للاحتباس الحراري بنسبة ٨٠ في المئة بحلول عام ٢٠٥٠ بغية منع معدلات الحرارة من الإرتفاع بأكثر من ١،٥ درجة مئوية. وقال دو بلازيو: "نحن هنا في مدينة نيويورك مصدومون"بقرار الرئيس الإنسحاب.

وبذلك انضمت مدينة نيويورك الى العديد من الولايات والمناطق الأميركية الأخرى التي تعهدت دعم الالتزام الأميركي في عهد الرئيس باراك أوباما للوصول الى الأهداف المنصوص عليها في اتفاق باريس.

على رغم تبريرات ترامب للعالم وقوله إنه انتخب لتمثيل "بيتسبرغ، وليس باريس"، أعلن رئيس بلدية تلك المدينة الصناعية في ولاية بنسلفانيا أن بيتسبرغ ستمضي الى الأمام في التزاماتها خفض انبعاثات الكربون. وشكلت ولايات نيويورك وكاليفورنيا وواشنطن تحالفاً للعمل من أجل خفض انبعاث الغازات التي تؤدي الى ارتفاع درجات الحرارة في العالم.

وعلى الساحة الدولية، تسبب قرار ترامب بموجة غضب كبيرة. أصدر زعماء ايطاليا وألمانيا وفرنسا بيانات نادرة تندد بأفعال ترامب، مؤكدين أنه لا يمكن إعادة التفاوض على رغم قول الرئيس الأميركي إنه سيسعى الى صفقة أفضل من اتفاق باريس. وكذلك أصدرت وزارة الخارجية الفرنسية شريط فيديو يدحض تبريرات البيت الأبيض في شأن الإنسحاب. شرح الفرنسيون الصفقة التي جرى التوصل اليها بعد مفاوضات طويلة، وموقعها في صلب الديبلوماسية الدولية.

من كوبنهاغن الى باريس

يروي تيم فلانيري، الذي رافق كل مراحل المفاوضات على اتفاق المناخ، كيف حصل الإختراق في باريس بعد ٢١ عاماً من المفاوضات بموجب عملية حددها اتفاق الأمم المتحدة الإطاري في شأن تغير المناخ. وبدا له في أوقات معينة أن النجاح أمر ميؤوس منه. خيّم التشاؤم بشدة على المشاركين في مفاوضات كوبنهاغن الخاصة بالمناخ عام ٢٠٠٩. لم يستعد هؤلاء الأمل إلا مع اقتراب اجتماعات باريس عام ٢٠١٥. وتذكر كيف اضطر وزير الخارجية الفرنسي عامذاك لوران فابيوس، باعتباره رئيس مؤتمر باريس، الى تقليص مشروع الإتفاق من ٤٩ صفحة الى ٢٦ صفحة، شاطباً العديد من البنود التي اعترضت عليها هذه الدولة أو تلك. جلس فابيوس لساعات، ليتحمل أحياناً الإساءات فضلاً عن الإعتراضات، كي يتمكن في النهاية من الإقتراب نحو النجاح.

قاد الرئيسان الأميركي باراك أوباما والصيني تشي جينبينغ، باعتبارهما زعيمي البلدين المسؤولين عن أكبر نسبة من انبعاثات الغازات الدفيئة عالمياً، عملية الوصول الى الصيغة النهائية بالتعاون مع بلدان أخرى مثل الهند والدول الأوروبية.

هناك حقيقة بالنسبة الى العلماء تفيد أن الوقت الطويل جداً للمفاوضات كان باهظ التكاليف. فلو اتفق العالم على مقاربة للتعامل مع تغير المناخ في قمة الأرض في ريو دي جانيرو عام ١٩٩٢، لكان من الممكن أن يكون الطريق أسهل بكثير لإزالة الكربون من الاقتصاد وتجنب ارتفاع درجة الحرارة بمقدار درجتين مئويتين. ولو جرى التوصل الى اتفاق في كوبنهاغن، لكان من الممكن أيضاً البقاء تحت عتبة الدرجتين المئويتين من خلال خفض انبعاثات غازات الدفيئة بسرعة. ولكن انبعاث زهاء ٥٠ ألف طن من ثاني أوكسيد الكربون أو ما يوازيه كل عام منذ ذلك الحين جعلت من المستحيل تجنب الدرجتين المئويتين عبر خفض الانبعاثات فقط. يؤكد فلانيري أنه من أجل تحقيق الأهداف المتفق عليها في باريس، سنحتاج إلى تطوير طرق لإزالة الغازات الدفيئة من الغلاف الجوي على نطاق هائل”.

إذا كان انسحاب ترامب كارثياً على كوكب الأرض، فإن الكارثة أكبر على أميركا. وفي معظم أنحاء العالم، توفر الرياح والشمس الآن مصادر لطاقة أرخص. يترسخ هذا التحول الى الطاقة النظيفة على الصعيد العالمي، وهذا يعني أن التغيرات في نظم الطاقة لدى الناس أمر لا مفر منه. ولكن الانتقال السلس يتطلب سياسة حكومية متسقة، وينبغي أن تكون تجربة الدول بمثابة تحذير للولايات المتحدة.

هناك جواب وحيد يعيد الحياة الى بحر آرال.