EN | FR

مجلس البطاركة والاساقفة الكاثوليك في لبنان
اللجنة الأسقفية لوسائل الإعلام في لبنان
المركز الكاثوليكي للإعلام في لبنان

البابا: إذا صَمَتَ العالم وفَقَدَ الفرح، أسالُكم: هل ستصرخون؟

يسوع يدخل أورشليم. تدعونا الليتورجيّا لندخل ونشارك بفرحِ واحتفالِ الشعب القادر أن يصرخ للربّ ويسبّحه؛ إنه فَرَح مُظلِم يترك طعمًا مريرًا وأليمًا بعد الانتهاء من الاستماع إلى رواية الآلام. في هذا الاحتفال، يبدو تشابكا بين قصص الفرح والألم، والأخطاء والنجاحات التي تشكل جزءا من حياتنا اليوميّة كتلاميذ، لأنها تظهر المشاعر والتناقضات التي غالبًا ما نعيشها نحن أيضًا اليوم، رجال ونساء زمننا الحاضر: قادرون أن نحبّ كثيرَا… وأن نبغض –كثيرًا أيضًا-؛ قادرون على القيام بتضحياتٍ ثمينة ونعرف كذلك كيف “نغسل أيدينا منها” في الوقت المناسب؛ قادرون على الأمانة ولكن أيضًا على النكوث وخيانات الكبيرة. ونرى بوضوح أن الفرح الذي يولّده يسوع يسبّب تعبًا وانزعاجًا للبعض.

يسوع يدخل المدينة محاطًا بشعبه، محاطًا بتسابيح وبهتافات صاخبة. يمكننا أن نتصور أنها أصوات الابن الذي غُفر له، والأبرص الذي شُفي أو ثغاء الخروف الضال، أصوات تتردد صداها بقوّة في هذا الموكب، كلّ الأصوات معًا. إنها تسبيح العشار والنَجِس؛ إنها صراخ الذي كان يعيش على هامش المدينة. إنها صراخ رجال ونساء تبعوه لأنّهم اختبروا تعاطفه إزاء معاناتهم وبؤسهم… إنها التسبيح العفويّ لكثير من المُهمّشين الذين، إذ لمسهم يسوع، استطاعوا أن يصرخوا: “مبارك الآتي باسم الرب!”. وكيف لا يهتفون للذي أعاد إليهم كرامتهم ورجاءهم؟ إنه فرح الكثير من الخطأة الذين غُفر لهم واستعادوا الثقة والرجاء. وهم يصيحون. يفرحون. إنه الفرح.

لكن هذا الفرح المهلّل يُزعِج أولئك الذين يعتبرون أنفسهم أبرارًا و”أمناء” للشريعة وللقواعد الطقوسية، ويصبح الفرح بالنسبة لهم سخيفًا وشائنًا[1].

فرح لا يطاق بالنسبة للذين قد ألجَموا مشاعرهم إزاء الألم والمعاناة والبؤس. الكثير من هؤلاء يفكّرون: “أنظر أي شعب غير مهذّب هذا!”. فرح لا يُحتمل بالنسبة لأولئك الذين فقدوا الذاكرة ونسوا فرصًا كثيرة أُعطِيَت لهم. ما أصعب فَهم فرح رحمة الله والاحتفال بها بالنسبة للذي يحاول أن يبرّر ذاته ويجد وضعًا مناسبًا لنفسه! وكم يصعب المشاركة بهذا الفرح بالنسبة للذين يثقون فقط بقوّتهم الذاتيّة ويشعرون بأنّهم يتفوّقون على الآخرين[2]!

وهكذا تولد صرخة مَنْ لا يخاف أن يهتف: “اصلبه!”. إنها صرخة غير عفويّة، إنّما صرخة مُحَاكة، ومُدَبّرة، تتكون من الازدراء، والافتراء، وتقديم الشهادات الكاذبة. إنها صرخة مَن ينتقل من الحقيقة إلى الخبر. إنها صرخة مَنْ يتلاعب بالواقع ويخلق صيغة خاصة لصالحه ولا يهمّه إن “أدْخَلَ الآخرينَ في مأزق” كي يهرب من العقاب. هذا خبر [كاذب]. إنها صرخة مَنْ، دون اكتراث، يبحث عن الوسائل لتقوية ذاته وإسكات الأصوات المغايرة لصوته. إنها صرخة مَنْ “يزيف” الواقع ويصوره بطريقة تقود إلى تشويه وجه المسيح وتجعل منه “لصًّا”. إنها صرخة مَنْ يريد الدفاع عن موقفه الشخصي مشكّكا بالتحديد بمن لا يستطيع أن يدافع عن نفسه. إنها الصرخة التي تولد من “مؤامرات” الاكتفاء الذاتي، والكبرياء والغطرسة والتي تعلن بدون اكتراث: “اصلبه، اصلبه!”.

وفي النهاية يتمّ هكذا إسكات عيد الشعب، ويُدمر الرجاء، وتُقتل الأحلام، ويُكبت الفرح؛ وفي النهاية يتصلّب القلب وتَبرد المحبّة. إنها صرخة من يقول “فليُخَلِّص نفسه” والتي تريد تخدير التضامن، وإطفاء المُثُل العُليا، وجعل النظر غير مبالٍ… إنها صرخة مَنْ يريد إلغاء التعاطف، ذاك “التألم مع”، التعاطف، والذي هو ضعف الله.

إن أفضل ترياق إزاء هذه الصرخات، هو أن نتأمّل بصليب المسيح والسماح لصرخته الأخيرة بأن تحثنا على التفكير. فقد مات المسيح وهو يصرخ محبّته لكلّ واحد منّا: للشبّان والشيوخ، للقدّيسين والخطأة؛ محبّته لمن عاش في زمنه ولمن يعيش في زمننا هذا. لقد خلّصنا على الصليب كيلا يُطفئ أحدٌ فرحَ الإنجيل. كيلا يبقى أحدٌ، في الحالة التي يوجد فيها، بعيدًا عن نظرة الآب الرحيمة. التأمّل بالصليب يعني أن ندع أولويّاتنا وخياراتنا وأعمالنا، تدعونا للتفكير. يعني أن نتساءل حول تعاطفنا مع من يمرّ أو يعيش أوقاتًا صعبة. أيها الإخوة والأخوات الأعزاء، ماذا يرى قلبنا؟ أما زال يسوع سبب فرحٍ وتسبيحٍ في قلبنا أم نستحي بأولويّاته تجاه الخاطئين والأخيرين والمنسيّين؟

ولكم أيّها الشباب الأعزّاء: إن الفرح الذي يولّده يسوع فيكم يُتعِبُ البعضَ ويزعجهم أيضًا، لأنّه من الصعب التلاعب بشابّ فَرِح. من الصعب التلاعب بشابّ فَرِح!

ولكن توجد إمكانيّة اليوم لصرخة ثالثة: “قالَ له بَعضُ الفِرِّيسيِّينَ مِنَ الجَمْع: “يا مُعَلِّمُ انتَهِرْ تَلاميذَكَ!” فأجابَ: “أقولُ لَكم: لو سَكَتَ هؤلاء، لَهَتَفَتِ الحِجارَة!” (لو 19، 39- 40).

إن إسكات الشباب هو تجربة قد وجدت على الدوام. وقد هاجم الفريسوون أنفسهم يسوع وطلبوا منه أن يهدّئهم ويسكتهم. وهناك أساليب عدّة لإسكات الشباب وإخفائهم. هناك أساليب عدّيدة لتخديرهم وتنويمهم كيلا “يُزعِجوا”، كيلا يتساءلوا ولا يطرحوا أسئلة، كيلا يحدثوا ضجيجًا. كي “يخرسوا!”. هناك أساليب عدّة لإبقائهم “في حالة خمول” كيلا يتدخّلوا، وهكذا تَفقِد أحلامُهم قيمتها وتُصبح تخيّلات مُحطّمة، تافهة وحزينة.

من الجيّد لنا، في أحد الشعانين هذا، وإذ نحتفل باليوم العالميّ للشباب، أن نُصغي إلى إجابة يسوع لفرّيسيّي الأمسِ وكلّ الأزمان، وأيّامنا هذه أيضًا: “لو سَكَتَ هؤلاء، لَهَتَفَتِ الحِجارَة!” (لو 19، 40).

أيها الشباب الأعزاء، لَكم أن تصرخوا، لَكم أن تختاروا صرخة “هوشعنا” الخاصة بيوم الأحد فلا تقعوا في صرخة “اصلبه!” الخاصة بيوم الجمعة… ولَكم أيضًا ألّا تَبقوا صامتين. إذا صَمَتَ الآخرون، إذا صَمتْنا نحن الشيوخ والمسؤولون –الفاسدون في الكثير من الأحيان-، إذا صَمَتَ العالم وفَقَدَ الفرح، أسالُكم: هل ستصرخون؟

من فضلكم، قرّروا قبل أن تصرخ الحجارة.

© جميع الحقوق محفوظة – حاضرة الفاتيكان 2018

 

 


[1] را. ر. غوارديني، الربّ، بريشيا-ميلانو 2005، 344- 345.

[2] را. الإرشاد الرسولي فرح الإنجيل، 94.