EN | FR

مجلس البطاركة والاساقفة الكاثوليك في لبنان
اللجنة الأسقفية لوسائل الإعلام في لبنان
المركز الكاثوليكي للإعلام في لبنان

الراعي عرض لنشأة الكنيسة المارونية ودورها في قيام دولة لبنان الكبير عون حضر الاحتفال التقليدي في عيد مارمارون...وبري ل " القدس العربي ": هذا عيد لكل لبنان

بيروت- " القدس العربي " من سعد الياس

          شهد لبنان امس حدثين بارزين جمعا أركان الدولة الاول هو عيد مارمارون الذي تُعطّل فيه رسمياً كل الادارات العامة والخاصة والثاني هو الحفل الرسمي لتوقيع اتفاقيتي النفط والغاز في مجمّع البيال الذي دخل بموجبه لبنان في مرحلة جديدة في نادي الطاقة.وقد حضر رئيس الجمهورية العماد ميشال عون قداس مارمارون الى جانب رئيس مجلس النواب نبيه بري وحشد كبير من الوزراء والنواب والسفراء بينهم سفيرة الولايات المتحدة الاميركية اليزابيت ريتشارد والسفيران السوري والايراني علي عبد الكريم وأحمد فتحعلي فيما غاب بشكل مفاجىء رئيس الحكومة سعد الحريري وعُزي السبب الى السفر.

وترأس البطريرك الماروني الكادرينال ماربشارة بطرس الراعي قداس العيد في كنيسة مار مارون في الجميزة وهو قداس تقليدي يُقام منذ  حوالى مئة سنة نظراً لدور الموارنة في قيام لبنان الكبير ويَحضرُهُ أَركانُ الدَّولةِ والمجتمعِ والسُّفراءُ المُعتَمَدُون والقناصلُ ورؤساءُ الكنائسِ في بيروت بكلِّ أَطيافِها..وكان اللافت حضور الرئيس بري بعد الاشكال الذي حصل بينه وبين الرئيس عون حول مرسوم أقدمية الضباط وبعدما رافق تسريب الفيديو الذي وصف فيه رئيس التيار الوطني الحر الوزير جبران باسيل رئيس المجلس ب " البلطجي "، وما تسبّب به ذلك الوصف من تحركات احتجاجية لمناصري حركة أمل في الشارع كادت تتسبّب بفتنة.

وعلمت " القدس العربي " أن الرئيس بري الذي كان أعلن عن عدم مشاركته في القداس الاحتفالي لاسباب امنية عاد وقرّر المشاركة أولاً بسبب اتصالات قادها رجل دين مسيحي مقرّب منه ومن بكركي وثانياً والأهم لبعث رسالة ايجابية لبطريرك الموارنة ورئيس الجمهورية وعموم المسيحيين تبدّد الصورة التي طبعتها التحركات الاحتجاجية الاخيرة، والتي سبقها الرئيس بري برفع لافتات وصور على لوحات اعلانية في عدد من المناطق اللبنانية وخصوصاً المسيحية وعلى الطريق الرئيسي في كسروان حملت صورة الرئيس بري وكتب عليها يتوقيعه " لبنان وطن العيش المشترك ". 

ورداً على سؤال ل " القدس العربي " عما يقوله للموارنة في عيد شفيعهم أجاب الرئيس بري " اقول إن عيد مارمارون هو عيد لكل لبنان ".

من جهته، أوفد الرئيس الحريري من يمثّله ويمثّل العائلة حيث حضرت النائبة بهية الحريري وقدمت التهاني بالعيد.

وكان راعي ابرشية بيروت المارونية المطران بولس مطر رحّب بالحضور في الكنيسة التي ارتفعت على إسم مارون الناسك.وذكّر بوصف البابا القديس يوحنا بولس الثاني للبنان بأنه أَكثرُ من بلدٍ، وأنَّه رِسَالةٌ لِلشَّرقِ والغَربِ معًا.واضاف " لسنا مُلتَقًى لِجماعاتٍ تَسعَى إلى توازناتٍ في ما بينها وَتُحاولُ كلٌّ منها أَن تُوَازِيَ حصَّتَها بحصَّةِ الآخرين. بَلْ نحنُ على تَنَوُّعِنَا شَعبٌ مُوحَّدٌ في وطنٍ واحدٍ هُو مَرجَعُنا جميعًا. والعلاقةُ في ما بَينَنَا هي علاقةُ مَودَّةٍ ورِضًى بالآخر وَاغتناءٍ بِتُراثِهِ. وإذا ما وَقَعَ بينَنَا خلافٌ مِن أَيِّ نوعٍ كان. فيجب أن يبقى رغمَ كلِّ شيءٍ خِلافًا بينَ أخوةٍ، يَحكُمُهُ سَقفُ هذه الأخوَّةِ فلا يطالُ هذا السَّقف ولا يُتَعدَّى، لأنَّه يَحمِي الجميعَ ويَبقَى ضمانةً لِبَيتِنَا الواحدِ وَلِسَاكنِيهِ على السَّواءِ".

اما البطريرك الراعي فعرض في عظته لتاريخ القديس مارون ونشوء الكنيسة المارونية في لبنان.ومما قال "جميلٌ هذا الاحتفال بعيد القدِّيس مارون، أبي الطائفة المارونيّة، عيدًا كنسيًّا ووطنيًّا، بحضوركم فخامة الرئيس مع صاحبَي الدولة، على رأس هذه الجماعة المصلّية المنتقاة من شخصيّات كنسيّة ومدنيّة، سياسيّة وديبلوماسيّة، قضائيّة وإداريّة وعسكريّة، ثقافيّة وإعلاميّة. كلُّكم مؤمنون أحبّاء جئتُم تبتهلون إلى الله، بشفاعة القدِّيس مارون، من أجل الاستقرار والنهوض في وطننا لبنان، وفي بلداننا المشرقيّة. كما جئتم تكرّمون الطائفة المارونيّة لفضلها التاريخي في قيام لبنان عبر مسيرة طويلة من الصمود والجهود والتضحيات، والتعاون مع المكوِّنات الوطنيّة الأخرى العزيزة".,اضاف " القدِّيس مارون، الناسك في العراء على تلّة من منطقة قورش، بين انطاكية وحلب، "حبّة حنطة" مات في الأرض بالتضحية والتفاني هناك سنة 410، فوُلدت منه الكنيسة المارونيّة، ديرًا على ضفاف العاصي أوّلًا، ثمّ كبرت ونمت وأمّت جبل لبنان من جهَّتَي العاقوره، وجبّة بشري، وراحت تنتشر على الأرض اللبنانيّة، جبلًا ووسطًا وساحلًا، من الشمال إلى الجنوب، بقيادة بطاركتها العظام، بدءًا من القدِّيس يوحنا مارون، بانين مداميك صلبة في بنيان هذا الوطن ".

ولفت البطريرك الراعي الى " إنّ أوّل من كتب سيرة القدِّيس مارون كان تيودوريطس مطران قورش، الذي ارتقى إلى الدرجة الأسقفيّة بعد وفاة القدّيس مارون، لكنّه تتبّع أخباره، وتنشَّق أريج قداسته، وعاصر تلاميذه. وكانت إطلالتُهم معه في مجمع خلقيدونية سنة 451، الذي أعلن بفم القدّيس البابا لاون الكبير أنّ يسوع المسيح ذو طبيعتَين إلهيّة وإنسانيّة متّحدتَين ومتمايزتَين في شخصه الإلهي. ومذ ذاك الحين، والكنيسة المارونيّة، التي تكوّنت كنيسة بطريركية حوالي سنة 686، هي كنيسة كاثوليكية دائمة الاتّحاد بكرسي بطرس بروما ".

وأوضح " أن العيد لا يقتصر على مباهجه، بل يتعدّاه إلى معانيه ومقتضياته في حياتنا. وأهمّها التحلّي بفضائل القدّيس مارون وروحانيّته، فنختصرها بثلاث هي: الصلاة التي كانت تُدخله في اتّحادٍ عميق مع الله، وتنقّي عقله وقلبه من كلّ ميل إلى الخطيئة والشّر، وتملأه حبًّا وعطفًا وحنانًا نحو الجميع؛ روحُ التوبة بالتقشّف التكفيري عن خطاياه وخطايا الناس؛ التجرّدُ الكامل من الذات وخيرات الدنيا. في هذه الثلاث عاش تلاميذ القديس مارون تابعين نهج "حبّة الحنطة" التي أثمرت الجماعة المارونيّة طائفةً وكنيسة وأمّة. فتفاعلت مع مجتمعها العربي ومحيطها الإسلامي في حوار الحياة واللغة والمصير، ومع مختلف الكنائس في حياة مسكونية على أساس المحبة في الحقيقة، ومع دول الانتشار في الاغناء والولاء. وهي في كلّ ذلك تحمل هوّيةً ورسالةً أنطاكية – سريانية وخلقيدونية كوّنتا ثقافتها التي كتبتها على أرض لبنان فأغنته، وجعلت منه وطنًا روحيًّا لموارنة العالم، على تنوّع جنسيّاتهم ".

وتحدث عن الصفة الانطاكية للكنيسة المارونية وتراثها الليتورجي السرياني وصفتها الخلقيدونية وقال "من القدّيس مارون وديره على العاصي، أخذت كنيستُنا البطريركيّة طابعًا نسكيًّا رهبانيًّا وبشركتها الدائمة مع الكرسي الرسولي الروماني، انفتحت الكنيسة المارونيّة على الغرب، ونهلت من مقدّراته العلميّة والفكريّة، ودخلت آفاق الإنسان والتاريخ والعالم، وفي عمق التراث الإنساني. فتخلّصت من الانعزاليّة، واعتمدت الحقيقة والحريّة. وبفضل مدرستها في روما، التي تأسّست سنة 1584، بنت جسرًا ثقافيًّا متبادلًا جمع بين كنوز الشَّرق وكنوز الغرب، على يد خرِّيجيها الذين لمعوا في بلدان أوروبا حيث علّموا وكتبوا وترجموا، والذين كانوا في أساس النهضة الثقافيّة العربيّة في شرقنا. ومع البطريركَين يوحنا مخلوف وجرجس عميره الإهدنيَّين، اللَّذَين دامت حبريّتهما من سنة 1609 إلى 1664، تعاون الأمير فخر الدين الثاني الكبير في توحيد الجبل اللّبناني والبناء وانفتاح البلاد، وفي إجراء تحالفات اقتصاديّة وثقافيّة مع الغرب بدءًا من أمراء توسكانا بإيطاليا ".

وتابع الراعي " قاد البطاركة الموارنة هذه المسيرة المارونيّة، برسالتها الكنسيّة والوطنيّة، حتى إعلان دولة لبنان الكبير في أوّل أيلول 1920، على يد البطريرك الياس الحويك الذي ترأَّس الوفد اللّبناني إلى مؤتمر فرساي بباريس للسلام، بعد سقوط الأمبراطوريّة العثمانيّة. فكانت بكركي، على ما كتب في 25 آب 1980 المغفور له شارل مالك الوزير والسياسي وكاتب مقدّمة الشّرعة العالميّة لحقوق الإنسان: "مركزًا روحيًّا فريدًا في الشَّرق الأوسط. الكلُّ يتطلّعون إلى قيادته وتوجيهه لجمع الشَّمل. بكركي من الأهميّة بحيث إذا خرب لبنان، وبقيت هي سليمة معافاة وقويّة، ماسكة بيد من حديد بزمام دعوتها التي انبطت بها، فباستطاعتها وحدها أن تعيد إعمار لبنان. أما لا سمح الله، إذا وهنت بكركي أو حلّ بها سقم ما، فلبنان وحده لا يستطيع إغاثتها كي تستعيد عافيتها. أيّ مؤسسة أخرى في لبنان يصحّ فيها هذا القول؟ إذا قدّرنا ماذا يعنيه لبنان تاريخيًّا ومشرقيًّا، تجلّى لنا مركز بكركي الفريد، وتبعتها العظمى، في لبنان والشَّرق الأوسط". انتهى كلام شارل مالك، ابن الكنيسة الانطاكيّة الروم أرثوذكسيّة ".

وختم بطريرك الموارنة " من تضحيات المسؤولين السياسيّين، تقوم لنا دولة قادرة ومنتجة، ووطن محبوب من شعبه، غنيّ بتراثه، ومعتزّ بتاريخه. إنّ هذه التضحيات كفيلة بمواجهة التحدّيات. وأوّلها تعزيز العيش المشترك كتجربة لبنانيّة نموذجيّة مميّزة بنمط الحياة الذي يؤمّن فرص التفاعل والاغتناء المتبادل، ويحترم الآخر في تمايزه وفرادته وثقافته، ويتشارك معه في حكم الشأن الوطني وإدارته. وثاني التحديات بناء دولة ديموقراطية حديثة تحمي صيغة العيش المشترك، وتوفّق بين المواطنة للأفراد والتعدّدية للجماعة. لقد أعلنت الكنيسة المارونيّة في مجمعها البطريركي (2003-2006) إيمانها بمثل هذه الدولة وحدّدت مقوّماتها بأربعة:

1- التمييز الصريح، حتى حدود الفصل، بين الدين والدولة، بدلًا من اختزال الدين في السياسة، أو تأسيس السياسة على منطلقات دينيّة لها صفة المطلق.

2- الانسجام بين الحرية، التي هي في أساس فكرة لبنان، والعدالة القائمة على المساواة في الحقوق والواجبات، التي من دونها لا يقوم عيش مشترك.

3- الانسجام بين حقّ المواطن الفرد في تقرير مصيره وإدارة شؤونه ورسم مستقبله، وبين حقّ الجماعات في الوجود الفاعل على أساس خياراتها.

4- الانسجام بين استقلال لبنان ونهائيّة كيانه، وبين انتمائه العربي وانفتاحه على العالم ".

                                                                                         9\2\2018