EN | FR

مجلس البطاركة والاساقفة الكاثوليك في لبنان
اللجنة الأسقفية لوسائل الإعلام في لبنان
المركز الكاثوليكي للإعلام في لبنان

الراعي: يتبارى المسؤولون عندنا في تراشق التهم وانتهاك كراماتهم بشكل متبادل غير آبهين لما تترك من أثر سلبي في أجيالنا

الأحد 11 آذار 2018

وطنية - ترأس البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي قداس الأحد في كنيسة الصرح الخارجية، في حضور ممثل رئيس الجمهورية النائب نعمة الله ابي نصر وممثلين عن رؤساء الأجهزة الأمنية ورئيس جمعية جاد جوزف الحواط، وعاونه كل من المطرانين بولس صياح وحنا علوان.

وألقى الراعي عظة بعنوان "أتوه بمخلع يحمله أربعة"، جاء فيها: "1. بنتيجة سماع كلام الله، الذي ألقاه الرب يسوع على الجمع الغفير، تولد الإيمان في قلب أربعة رجال، فأتوه بمخلع، وكلهم رجاءٌ بأنه سيشفيه. بفضل هذا الإيمان الوطيد، ولأنهم لم يستطيعوا الوصول به إلى يسوع نبشوا السقف، ودلوا المخلع مع فراشه إلى أمامه. فإذ رأى الرب إيمانهم شفى الرجل من الشللين، الروحي بغفران خطاياه، والجسدي بإعادة المشي إليه. إننا نلتمس من الله مثل هذا الإيمان المترجم بأعمال المحبة والرحمة.
فالصوم الكبيرهو زمن السماع لكلام الله، الذي يولد الإيمان، ويحملنا على أعمال المحبة، إلى جانب الصيام وتوبة القلب إلى الله.
2.
يسعدني أن أحييكم جميعا وأخص جمعية جاد - شبيبة ضد المخدرات، رئيسا وأعضاء، لجانا ورؤساء مناطق وأمهات، والممثلين عن الوزارات والجمارك المعنية بمكافحة المخدرات، وسواها من الجمعيات والجهات الرسمية. ونذكر في صلاتنا الذين عملوا فيها وسبقونا إلى بيت الآب وهم المرحومون: الأب بنوا سكر الراهب اللبناني المؤسس، والعقيد جوزف سكاف، وسيمون سميا اللذين توليا مسؤولية التدريب والرياضة فيها.
وإني أحيي بيننا أسرة المرحوم الدكتور جورج هارون، المحاضر الجامعي والكاتب والمؤرخ. ونذكر من بين مؤلفاته "تاريخ البطاركة الموارنة: معاناة ستة عشر قرنًا"، وفيه سيرة وإنجازات البطاركة الستة والسبعين، من البطريرك الأول مار يوحنا مارون، إلى غبطة البطريرك الكردينال مار نصرالله بطرس صفير. وهو أول كتاب من هذا النوع كلفه الكثير من الأبحاث. نذكره بصلاتنا، ونجدد تعازينا لبناته وابنيه وعائلاتهم وسائر أنسبائهم وقد ودعناه معهم منذ شهرين.
ونحيي أيضا عائلة المرحوم أنطوان يوسف القاعيرئيس رابطة آل القاعي الكرام، رجل الإيمان والالتزام الروحي. وقد ودعناه معهم منذ أقل من شهرين. فإنا نجدد تعازينا لزوجته وابنيه وابنته وأشقائه وشقيقاته. نصلي لراحة نفسه ولعزائهم.
3.
يمثل الرجال الأربعة الذين حملوا مشلول كفرناحوم إلى يسوع، الكنيسة التي تحملنا في صلاتها، وتهدينا بكلمة الإنجيل وتعليمها، وتقدسنا وتشفي نفوسنا بنعمة الأسرار، وتجددنا بعطية الروح القدس. فقد جعلها المسيح الإله به "العلامة والأداة للإتحاد بالله، ولوحدة الجنس البشري كله" (الدستور العقائدي "في الكنيسة"، 1).وجعلها "أداة الخلاص الشامل".
ويمثل الرجال الأربعة جماعة المؤمنين التي تلتقي في كل يوم أحد، وهو يوم الرب، فتجدد بواسطة المشاركة في الليتورجيا الإلهية أواصر الأخوة والتعاون والتضامن في نشاطات الرعية ومشاريعها. ويمثلون أيضًا جمعية جاد - شبيبة ضد المخدرات، ومثيلاتها من المؤسسات والجمعيات والروابط الخيرية التي تعتني بالإنسان لإخراجه من معاناته.
4.
تأسست جمعية جاد سنة 1981 وهدفها:حمايةُ المواطنين من المخدرات بالتوعية والتحذير، والإعتناءُ بالمدمنين، بالتوجيه والمساعدة الطبية؛والتأهيل النفسي والعائلي؛ وإعادة اندماجهم في المجتمع كعناصرمنتجة وفعالة. وتقوم الجمعية بالكثير من النشاطات، في إطار أهدافها. وهي تنظم عملها في أقسامولجان طبية وقانونية وإعلامية ومالية وعلاقات عامة داخلية ودولية.
إننا إذ نثني على أعمال الجمعية ونشجعها، نسأل الله أن يبارك نشاطاتها والعاملين فيها ومعها. ونذكر بصلاتنا المدمنين كي يُنجيهم الله من ويلات هذا الإدمان، وشبيبتنا كي يحميها من هذا الوباء المتفشي. وفيما نعرب عن تقديرنا لأجهزة مكافحة المخدرات، نطالب الدولة بمزيد من السهر على الحد من ترويجها. فشبابنا هم مستقبل العائلة والكنيسة والوطن. فمن الواجب الإعتناء بنموهم على القيم الروحية والأخلاقية والوطنية.
5.
لا يمثل الرجل المشلول فقط كل شخص يعاني من شلل جسدي، بل وكل مصاب بشلل روحي بسبب عيشه في حالة الخطيئة الدائمة؛ أو بشلل معنوي بسبب حال الفشل والحزن والظلم وامتهان الكرامة وانتهاك الحقوق؛ أو بشلل اقتصادي مثل شعبنا اللبناني اليوم، ولا سيما ثلثه العائش تحت مستوى الفقر، ومثل الثلاثين في المئة من شبابنا المحرومين من فرص العمل والإنتاج. وإننا لا ننفك نطالب المسؤولين السياسيين بإجراء نهوض اقتصادي في كل قطاعاته، والحد من الفساد المستشري، وإيقاف الهدر في مشاريع يمكن انجازها بكلفة أقل ومردود أكبر مع تجنب عمولات الأرباح الخاصة، وإجراء الإصلاحات المطلوبة دوليا وداخليا مثل حل أزمة الكهرباء في ضوء مشاريع توفر على الخزينة وتستحق الإعتبار. وكم يؤسفنا أن يتبارى المسؤولون عندنا في تراشق التهم، وانتهاك كراماتهم بشكل متبادل، غير آبهين لما تترك من أثر سلبي في أجيالنا الطالعة.
6. "
رأى يسوع إيمان الرجال الأربعة" (مر2: 5). رآه في مبادرتهم وجرأتهم وفعلهم. إيمان صامت كلاميًا وناطق بالعمل النابع من القلب. هذا هو الإيمان الحقيقي الذي يُرضي الله. وقد نبهنا الرب يسوع: "ليس من قال لي: يا رب، يارب، يدخل ملكوت السماوات، بل من يعمل بمشيئة أبي الذي في السماوات(متى 7: 21).يقول القديس يعقوب الرسول: "كما أن الجسد بلا روح ميت، كذلك الإيمان بلا أعمال ميت" (يع2: 26).
فمكافأةً لإيمانهم، بادر يسوع إلى شفاء المقعد من شلله الروحي أولا بالقول: "يا ابني، مغفورةٌ لك خطاياك"، ثم من شلل جسده: "قم احمل سريرك واذهب إلى بيتك" (الآيتان 5 و11).
أجرى يسوع شفاء المخلع كبرهان على سلطانه أن يغفر الخطايا. وهو سلطان سلمه إلى الكنيسة عبر الكهنوت. ففي مساء أحد قيامته سلم رسله، كهنة العهد الجديد، وخلفاءهم، سلطان مغفرة الخطايا، عندما "نفخ فيهم وقال: خذوا الروح القدس. من غفرتم له خطاياه تُغفر له، ومن منعتم عنه الغفران يُمنع عنه" (يو20: 22-23). وبهذا كرس الرب يسوع سر التوبة. ومنح سلطان الحل للكاهن، دون سواه. فلا يمكن بالتالي للمؤمن أن يتصالح مع الله مباشرة، بل فقط من خلال "سلطان الكهنوت" و"سلطان الحل".
7.
كان شفاء المخلع علامة ذات رموز تختص بمفاعيل سر التوبة فينا. فقد استعمل الرب يسوع ثلاث كلمات: قم! احمل! إمش. لفظة قم مرتبطة بالقيامة، إنها خلق جديد. بشفائه أعاد إليه يسوع كل قواه المفقودة. لقد خلقه من جديد. هكذا تفعل نعمة الغفران في التائب الحقيقي بواسطة سر التوبة. يُعطى قلبًا جديدًا وروحًا مستقيمًا، كما نصلي في صلاة المزمور: "قلبًا نقيًا أخلقْ في يا ألله، وروحًا مستقيمًا جدد في أحشائي"(مز51: 10).
بكلمة احمل حرره من قيود الضعف والحاجة. هكذا تفعل فينا نعمة سر التوبة: تحررنا من قيود الأميال والتجارب التي تأسرنا، وتُضعف قوانا، فنصبح منقادين بها وإليها.
بكلمة إمش فتح الرب يسوع أمامه طريقًا جديدًا يمشيه.هكذا في سر التوبة يفتح أمامنا المسيح الفادي طريقًا جديدًا مستقيمًا لنسلكه على أنوار الروح القدس،مع الله والذات والناس.
فليخشع كل واحد منا أمام المسيح، طبيب الأرواح والأجساد، ملتمسين نعمة الشفاء ورافعين نشيد المجد والتسبيح للآب والإبن والروح القدس، الآن وإلى الأبد، آمين".