EN | FR

مجلس البطاركة والاساقفة الكاثوليك في لبنان
اللجنة الأسقفية لوسائل الإعلام في لبنان
المركز الكاثوليكي للإعلام في لبنان

المجمع الفاتيكاني الثّاني والفصل 8... مريم العذراء على كلّ شفة ولسان

هالة حمصي

  • المصدر: النهار
  • 18 كانون الثاني 2018

ماذا عن مريم العذراء "والدة الإله"؟ استعر الجدل، ولم يهدأ بعد بسبب حلقة عنها مع الاب رمزي جريج اللعازري قبل نحو اسبوعين، في اطار برنامجه "مهم تكون مسيحي"، اعقبتها اتّهامات وتجريح وتشكيك تراكمت بسرعة على مواقع التواصل الاجتماعي، ولم يفلح في تهدئتها تأكيد مطران اللاتين سيزار آسيان "مطابقة الحلقة لتعليم الكنيسة". موضوع مريم فُتِح على مصراعيه، وان كانت الكنيسة الكاثوليكية حسمته منذ قرون، واعلنت موقفها منه بوضوح، وجدّدت تأكيده مرارا، لا سيما في المجمع الفاتيكاني الثاني (1962-1965) الذي يُقال عنه انه "حقّق امورا عظيمة"، و"خطوات متقدمة" في مختلف المجالات.

صخب ديني. ابرة البوصلة تتجه، لضرورات الامور، نحو المجمع للتذكير بالوثائق التي اصدرها ومضمونها واهميتها، لا سيما ما يعلّمه عن مريم في فصل كامل، و"تمارسه الكنيسة بموجبه". "الطريقة التي يتكلم فيها على مريم العذراء لافتة"، على قول راعي ابرشية زحلة للموارنة رئيس اللجنة الاسقفية للعلاقات المسكونية المطران جوزف معوض لـ"النهار". المجمع يدعو المؤمنين الى "اكرام خاص" لها، ويبيّن وفقا له "انها المثال والمساعدة للمسيحيّين في عيش الفضائل والقيم المسيحية". 

في الكلام الكنسي ايضا، وضعٌ للنقاط على الحروف. "علاقتنا الاساسية تكون بالله. ومريم العذراء شفيعة لنا، لمساعدتنا في هذه العلاقة، وعيش حياتنا المسيحية. ومن المهم جدا الا تحجب علاقتنا بها العلاقة بالله التي يجب ان تكون العلاقة الاساسية".  

الكنيسة الشركة  

 

عندما اعلن البابا يوحنا الثالث والعشرون (1881-1963) المجمع، كان دافعه "هدفان اساسيان". الاول "تجديد الكنيسة والتفكير في كيفية قيامها برسالتها في عالم اليوم، خصوصا انه تغيّر"، والآخر "البحث عن وحدة الكنيسة"، على ما يشرح معوض. بتعابير اخرى، المجمع ركّز خصوصا "على الكنيسة"، و"قال عنه اللاهوتي الشهير كارل راهنر بانه مجمع الكنيسة حول الكنيسة. ومن خلاله، اعادت الكنيسة التفكير في هويتها ورسالتها".

16 وثيقة- 4 دساتير و9 قرارات و3 بيانات- شكّلت عصارة اعمال المجمع الذي انطلق العام 1962، وامتد على 4 اعوام، واختتم العام 1965. "قال عن الكنيسة انها شركة: شركة مع الله، وشركة المؤمنين بين بعضهم البعض"، على قول معوض، "وهذا التحديد سُمِّي "ايكلوزوجية" الشركة، واكده سينودس الاساقفة الذي انعقد العام 1985".

واذا كان المجمع يشدّد على هوية الكنيسة "كشركة"، فمرد ذلك، على ما يوضح، الى ان "الكنيسة كان يُنظَر اليها، خلال مدة طويلة، كمجتمع تسلسلي، هرمي. غير ان المجمع اعطى نظرة جديدة اليها وشدد عليها، اي انه لا يمكن النظر الى الكنيسة كمجتمع هرمي فقط. انها جماعة تعيش الشركة. وكل البنية الهرمية فيها هي من اجل خدمة الشركة في قلبها".  

4 دساتير أصدرها المجمع: "الكنيسة"، "الوحي الالهي"، "الليتورجيا المقدسة"، و"الكنيسة في عالم اليوم". الدستور يتحلى بصفة "الديمومة"، وفي كل من هذه الدساتير الـ4، حقّق خطوات "متقدمة"، بتعبير معوض. في الليتورجيا، على سبيل المثال، "دعا الى تجديد ليتورجي، من نتائجه الاحتفال بالليتورجيا بلغة البلاد"، على ما يشرح.

كذلك، حقّق "تحوّلا" في علاقة الكنيسة بالعالم. "لقد نظر، بايجابية وتقدير، الى قيم موجودة في العالم، كالعمل البشري والسياسة والاقتصاد... وكيف يمكن المؤمن ان يتقدس من خلال القيام بهذه الاعمال الدنيوية في قلب العالم. وهذا ما سمّاه المجمع التجديد المسيحي للنظام الزمني".    

 

 مريم والفصل 8 

"الطوباوية مريم ام الله في سر المسيح والكنيسة". المجمع خصص لها فصلا كاملا، الفصل 8 في دستور "الكنيسة" "نور الامم"، مع شرح مفصّل عنها في 18 نقطة (52-69). "خلال اعداد هذه الوثيقة، "نور الامم"، حصل اختلاف في الآراء"، يفيد معوض. "اراد بعض الآباء في المجمع ان تكون لمريم العذراء وثيقة خاصة بها، بينما اراد آخرون ان تكون ضمن وثيقة الكنيسة".

وقد غلب رأي الفريق الثاني، "للتشديد على ان مريم العذراء عضو في قلب الكنيسة. وكعضو هي مثال للكنيسة"، على قوله. ما يلاحظه هو الطريقة التي يتكلم فيها المجمع على مريم العذراء، و"هي لافتة، بحيث بيّن انها تتمتع، ليس بعدد من الامتيازات الخاصة بها وحدها فحسب، انما ايضا بقيم وفضائل مسيحية يجب ان يعيشها كل مسيحي. لقد بيّن انها المثال والمساعِدَة للمسيحيين في عيش هذه الفضائل".  

في الفصل الذي خصصه المجمع لمريم، تناول "شأنها في تدبير الله الخلاصي"، و"اتحادها الفريد بابنها يسوع المسيح"، وايضا موقعها في الكنيسة. مادة تبرز هنا: 60. وتؤكد "انه واحد وسيطنا، على ما يقول الرسول: "اذ ليس سوى اله واحد، وليس ايضا الا وسيط واحد بين الله والناس، المسيح يسوع، الانسان هو ايضا، الذي بذل نفسه فدية عن الجميع". ويضيف المجمع: "اما الدور الوالدي الذي تقوم به مريم تجاه الناس فلا يضير شيئا ولا ينقص البتة من وساطة المسيح الواحدة هذه، بل يظهر، بخلاف ذلك، فعاليتها".  

 

عند الكلام على وسيط، "نعني يسوع المسيح المخلص"، على ما يؤكد معوض. "وحده يسوع المسيح، الاله والانسان، هو المخلص الذي خلص الانسانية. ولا احد يمكن ان يخلص من دونه. حتى العذراء مريم مُخَلَّصَة بابنها يسوع المسيح. كيف؟ المجمع يقول بانها مفتداة بطريقة سامية من يسوع المسيح، ابنها (المادة 53)، اي ان الله عصمها، منذ اللحظة الاولى لتكوينها من الخطيئة الاصلية. لذلك نقول انه حُبِل بها بلا دنس، بفضل ابنها الفادي. لذلك، وحده المسيح هو الوسيط والفادي".  

انطلاقا من كون المسيح إلهًا، فانه "يُعبَد"، على ما يضيف، "اي اننا نعترف بانه الخالق والمخلص". اما العذراء مريم، "فليست إلها، وقد نالت نعمة خاصة من الرب، رفعتها فوق كل البشرية، وجعلتها والدة الإله. ولان لديها نعمة خاصة، يكون لها تكريم خاص، وليس عبادة، لانها ليست هي الإله".   

"علاقتنا الاساسية بالله

تمييز ضروري بين العبادة والاكرام. ويتكلم المجمع الفاتيكاني الثاني على هذه النقطة تحديدا في المادة 66. "الاكرام خاص" لمريم العذراء، بتعبيره، و"يتّصف، على النحو الذي وجد عليه دائما في الكنيسة، بطابع فريد على الاطلاق. غير انه يختلف اختلافا جوهريا عن العبادة التي يُعبَد بها الكلمة المتجسد مع الآب والروح القدس. وهو خليق جدا بان يُعزَّز...".

 

متى تصير هناك عبادة لمريم؟ وما المظهر الذي يتخذه لدى المؤمنين؟ يجيب معوض: "يسمي الناس عبادة مريم. لكنني اجد، وفقا لما اعتقد واراه، ان الناس يعرفون ان مريم العذراء هي والدة الاله. يقولون عبادة لها، في حركة لاشعورية عاطفية عفوية. انما المقصود بذلك اكرامها".  

زياحات لمريم العذراء، ذكرها في الصلوات، تساعيات وطلب شفاعتها... "كل هذا يدخل ضمن اكرامها". نسأل: مسموح ان يطلب المؤمنون شفاعتها، ويسوع المسيح هو الوسيط الوحيد؟ يجيب: "طلب شفاعة مريم العذراء يعني ان نطلب صلاتها من اجلنا. لكون القديسين اصبحوا يشاركون ربّنا في حياته الالهية والابدية، نطلب منهم، وفي طليعتهم العذراء مريم، ان يتشفعوا من اجلنا، خصوصا اننا نؤمن بان هناك رباطا روحيا يجمعنا بهم، ونسميه شركة القديسين. وبفضله، يمكننا ان نصلي من اجل بعضنا البعض".  

*ثمة مؤمنون يحصرون علاقتهم في مريم العذراء.  

-العلاقة الاساسية هي بالله. لذلك طلب منا يسوع المسيح ان نصلي: "ابانا الذي في السموات". علاقتنا الاساسية تكون بالله. ومريم العذراء شفيعة لنا، لمساعدتنا في هذه العلاقة، وعيش حياتنا المسيحية. من المهم جدا الا تحجب علاقتنا بمريم العذراء العلاقة بالله التي يجب ان تكون العلاقة الاساسية. كذلك يجب الا تجعلنا علاقتنا الاساسية بالله نستخف بشركة القديسين التي نطلب من خلالها الشفاعة.

 

المطران جوزف معوض.

 *في ضوء كل ما رافق حلقة الاب جريج عن مريم العذراء من ردود فعل غاضبة، وصولا الى حد التجريح والاتهام، ما استنتاجاتك في هذا الشأن؟  

-اذا كان لدى احدهم اي شكوى، فالافضل ان يتوجه الى كنيسته ويراجعها في الامر، ولا يكون هناك انتقاد علني على وسائل التواصل الاجتماعي وفي وسائل الاعلام، للتجريح بالاشخاص. وفي ما يتعلق بالاب جريج، اصدر مطران اللاتين في لبنان سيزار آسيان بيانا اكد فيه ان الحلقة لا تتضمن ما يعارض العقيدة المسيحية. ومن يعيد مشاهدة الحلقة، يجد ان الاب جريج تكلم على مريم العذراء كمثال لكل المؤمنين. ادعو الى ان نفهم جيدا ما يُقال لنا. شاهدت الحلقة، وقال اننا لا نريد ان نشبّه العذراء باي شيء وثني. وكما سبق ان قلت، نريد ان تكون العلاقة الاساسية بالله، لكننا نطلب دائما في الكنيسة شفاعة القديسين، في طليعتهم العذراء مريم. ويجب الا تحجب علاقتنا بهم علاقتنا بالله. واذا كانت علاقتنا بهم سليمة، فمن شأنها ان تقوّي علاقتنا به.

خطوات "متقدمة

مريم، الليتورجيا، الكنيسة الشركة... الى جانب الدساتير الـ4، أصدر ايضا المجمع 9 قرارات. والقرار له "صفة عملية، واحكامه مرتبطة بظروف الزمان والمكان"، وفقا لشرح الاب غابي هاشم البولسي في مقدمة عن المجمع. وضمن هذه القرارات، هناك "المهمة الرعوية للاساقفة"، و"الخدمة الرعوية للكهنة وحياتهم"، وايضا "التنشئة الكهنوتية"، و"التجديد الملائم للحياة الرهبانية"...

 

اساقفة مشاركون في افتتاح المجمع الفاتيكاني الثاني العام 1962

اولا الاساقفة، و"المجمع تكلم خصوصا على المجمعية الاسقفية، اي عندما يتعاون الاساقفة معا، على رأسهم البابا، على القيام بعمل رعوي من اجل رعاية الكنيسة الجامعة. وهذا ما نجده في قلب المجمع المكسوني الذي يجمع مختلف الاساقفة من شتى انحاء العالم، على رأسهم البابا، ليدرسوا معا موضوعا يهم الكنيسة".  

خطوة "متقدمة" حقّقها المجمع في هذا الاطار، وتتجلى في "تعاون البابا مع الكنيسة ككل، في وقت ركز المجمع الفاتيكاني الاول (1869-1870) على سلطته وحده". ما يقدّمه المجمع في هذا المجال هو ما يسميه معوض "صيغا جديدة لعيش هذه الاسقفية المجمعية"، ابرزها "سينودس الاساقفة". وهناك ايضا "المجالس الاسقفية التي تشكلت في كل بلد، خصوصا في الغرب"، و"تجمع الاساقفة ليتعاونوا معا في قضايا تهم المؤمنين".  

خطوة اخرى "متقدمة جدا" حققها المجمع في موضوع العلمانيين. "رسالة العلمانيين"، عنوان القرار 5. ويقول المعوض: "قبل المجمع، كان التحديد الذي يُعطى العلماني سلبيا. لكن مع المجمع، وانطلاقا خصوصا من تحديده قوة الكنيسة كشركة، اصبح التحديد المُعطى للعلماني ايجابيا. قال عنه انه الشخص المُعَمَّد الذي يشارك في رسالة الكنيسة، من خلال 3 مهمات، نبوية وكهنوتية وملوكية. وبالتالي تعزَّز كثيرا دور العلماني في الكنيسة، لا سيما في المنظمات والهيئات والمجالس الرعوية وغيرها".