EN | FR

مجلس البطاركة والاساقفة الكاثوليك في لبنان
اللجنة الأسقفية لوسائل الإعلام في لبنان
المركز الكاثوليكي للإعلام في لبنان

المسيحيّة إيمان توحيد!

الشدياق يوسف "رامي" فاضل

  • 19 أيلول 2017 النهار

صحيحٌ أن المسيحيّة تدعو إلى فصل الدين عن الدولة، غير أنها لا تدعو الى فصل الإيمان عن الممارسة السياسيّة، بحيث أنها "دين توحيد" تسعى إلى توحيد الإنسان بكامل أبعاده مع الإنسانيّة ومع الله، على مثال الثالوث الأقدس المتعدد والواحد في آنٍ واحدٍ!

والمسيحيّة عدوّة الإزدواجيّة بطبيعة الحال، فلا يمكن للإنسان أن يسعى إلى المسيحيّة -لأن المسيحيّة مسيرة وليست وشمًا أبديًا في الهوية- وهو يجزّء حياته إلى ملفّاتٍ وجواريرٍ منفصلة، كأن يمارس التقويات في الكنيسة ويتقاضى الرشوة في الوظيفة! أو أن يعيش وفق المثل الشعبي "ساعة لربِّكَ، وساعة لقلبِك" فالمسيحيّ كلّ قلبه وكلّ ساعات حياته هي لربّه! ولا يمكن للمسيحيّ أن يمارس "الكذب الإجتماعي" في الصباح وأن يعظ عن الصدق بعد الظهر!

كل هذه الأمثلة توضح لنا ضرورة توحيد الذات في المسيحيّة، فالمسيحيّ يتصرف بروح المسيح في كل المجالات وفي كل الأوقات والمواقف، ولا يمكن له أيضًا أن يستعمل الإنجيل في سبيل الإفتاء لنفسه بما يشاء! فالإنجيل ليس كتاب قوانين نتحايل عليها كما يتحايل البعض على القوانين الوضعيّة، إنما هو كتاب حياة لا يعطي أجوبة بقدر ما يعطينا أسئلة تستفز أرواحنا إلى التمطّي نحو الأمام!

أمّا في بلادنا فيجنحُ البعض نحو الفصل النهائيّ بين المسيحيّة وبين السياسة لعدّة أسباب، منهم من يقول بأن المسيحيّة -دين المستحيل- لا تلتقي مع السياسة -فنّ الممكن-، لذا فعلى المواطن أن يعطي لكل مقامٍ مقاله، فيتعاطى السياسة وفق روح العالم. ومنهم من يرى أنَّه على المسيحيّة أن تنزوي في الكنائس والأديار دون أن تتجسّد في الحياة السياسيّة. ومنهم من يعاني من "فوبيا الطوائف" فيرفض أن يرى في السياسة ما يشير الى الأديان بشكلٍ عام.

ومنهم وهم الأخطر من يرفض المسيحيّة عندما تتعارض مع مصالحه، ويقبلها عندما يستطيع استعمالها في الوصول لغاياته ولمآرِبِه

أما الإنسان الذي يسعى إلى الوحدة مع ذاته ومع الإنسانيّة ومع الله، فلا يستطيع أن يكون إلا نفسه في كلّ المواقف، فيَجد التعارض بين مسيحيّته التي تَشهد للحقّ وبين تأييد الأنظمة الشموليّة! ويَجِد الإستحالة في الجمع بين إيمانه بالله الذي يُحرّر الإنسان وبين الموقف الذميّ الإنبطاحيّ

كما يعجز عن التوفيق بين استقامة الرأي وبين الفساد والسرقة! دون أن ننسى أنه لا يستطيع الجمع بين الصدق وبين التقيّة التي تُسمّى زورًا بالديبلوماسيّة!

وبطبيعة الحال فهو لا يُخَيَّر بين السيء والأسوأ، كونه لا ينتمي لجاذبيّة "المُمكن" إنما ينتمي لورشة بناء الملكوت على هذه الأرض! وكونه على مثال معلمه في ثورةٍ دائمة على الظلام!

السياسة بالنسبة للمسيحيّ هي مجال واسع للشهادة للحق، ووسيلة مهمّة لخدمة المجتمع ولترقّي الشعوب، وهي أيضًا دعوة إلى القداسة بكلِّ ما في الكلمة من معنى، بالتالي فلا يمكن النظر اليها باستخفاف او الترفّع عنها بحجة عدم ملائمتها للحياة المسيحيّة، إنما هي الفنّ الشريف بحسب تحديد المجمع الفاتيكاني الثاني، وهي المكان المناسب للتنافس في الخدمة ولتوزيع خيرات الأرض على شعب الله.

بالتالي تصبح السياسة من أهم المجالات والأمكنة التي تستدعي من المسيحيين أن يُجسّدوا يسوع المسيح فيها بواسطة سلوكهم وخياراتهم وأخلاقيّاتهم، كون المسيحيّة هي دين التجسّد! ويصبح على المسيحيّ أن يحيا مسيحيّته في نشاطه السياسيّ بإنسجامٍ ووحدةٍ بين خياراته السياسيّة وبين إيمانه العميق، كون المسيحيّة هي إيمان واحد ودين توحيد!