EN | FR

مجلس البطاركة والاساقفة الكاثوليك في لبنان
اللجنة الأسقفية لوسائل الإعلام في لبنان
المركز الكاثوليكي للإعلام في لبنان

اليازجي في رسالة الصوم: الشرق يرزح تحت صليبه

جريدة الجمهورية

الاثنين 12 شباط 2018

 

 

أعلن بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس يوحنا العاشر اليازجي "أننا نُصلّي من أجل سلام العالم ومن أجل خير جميع الناس. ونصلّي لمَن فارقنا إلى الديار الباقية ونرفع تضرّعَنا إلى الربّ الخالق أن يقدّس حياتَنا بذكره القدوس".

أشار اليازجي خلال توجيهه رسالة الصوم الكبير الى أنّ "الصيام ملك الفضائل. وهذا ما تقوله ترنيمة أحد مرفع اللحم. إذ تدعو الصيام ملك الفضائل وتخاطبه بالتورية داعيةً المؤمنين لكي يستقبلوه كملك على النفوس يرسو بها على موانئ الخلاص".

وإعتبر أنّ "الصومَ وسيلتُنا لنعبُر من قساوة الجسد إلى رحمانية الله. وبالصوم تُنتزع من النفس كل الأهواء ليسكن فيها جمر المحبة. الصوم هو ملك الفضائل بقدر ما ينزع أدرانَ النفس ويغسلها بالتوبة الصافية لتبرقَ سلاماً ومحبةً للآخرين. المحبة هي كنز الكنوز والصوم هو خير تعبير عن تلك المحبة وخير سبيل إليها بالقدر الذي يشحذ من النفس أهواءَ الضغينة والاستكبار ويجلوها بالصَّدَقةِ والعطاء ويغسلها ببريق التوبة والتواضع لينجليَ فيها نور قيامة المسيح".

ولفت إلى أنّ "الصوم المقدّس مسيرة مصالحة مع الخالق ومع الذات ومع الآخر. هو مسيرة غفران وصفحٍ ومصالحة. وما أحوج إنسان هذا الدهر ومجتمعاته إلى المصالحة والغفران! وهذا ما تُشدّد عليه الكنيسة المقدّسة. فالتوبة هي مصالحةٌ مع الخالق والمغفرة هي مصالحةٌ مع الآخر وهي عينُها قربان حمدٍ وتمجيد لرب السماوات الذي يُسَرّ بنا بشراً متآخين".

وأضاف: "الصوم الأربعيني جرنُ عمادٍ مآلُه قيامةٌ مع المسيح هو مسيرةٌ تبتدئ تحضيرياً بتواضع العشار الذي حنى الرأس فحنى السماوات إليه وبعودة الابن الضال رمزاً لعودة الإنسان إلى الحضن السماوي. الصوم إمساكٌ عن طعامٍ لنضعه في فم الفقير والمحتاج. والنفس الصائمة هي التي تنظر عالم الروح في الأيقونة لتمسي بذاتها أيقونةً للمجد الإلهي عبر صالح أفعالها. وهي المستعطيةُ النعمةَ الإلهية التي من دونها لا تلج خدر السيد. وهي التي بقوة صليبه تجتاز مصاعبها مرتقيةً سلّم الفضائل لترسوَ بعَبَرات توبتها على ميناء الرحمة الإلهية. النفس الصائمة بحقٍّ هي التي تفرش للرب الداخل إلى قدس النفس سعف الفضائل وتمخر عباب العمر الفاني متشبّثةً بيد سيدها الذي حطّم الموت وخلع عليها وشاح القيامة البهي".

وقال: "توافينا هذه الأيام المباركة والشرق يرزح تحت صليبه. توافينا والعالم يتخبّط بحثاً عن سلام مفقود وجزعاً من قلاقل. توافينا وكلٌّ منا غارق في همٍّ من هموم حياته وفي قلقٍ وجوديٍّ. لكنّ كل هذا لا يمنعنا أن ننقب ولو قليلاً ستار واقعنا ونحني ركبة قلبنا أمام الله ليهبنا السلام والتعزية والفرح السماوي".

وأكّد اليازجي أنه "آنَ لجلجلة هذا الشرق أن تُدفَن تحت عتبة القيامة. منذ فجر التاريخ وهذه المنطقة تدفع من دم وأرواح أبنائها ضريبة الحرب والدمار. ندعو الجميع في كل بلدان هذه المنطقة إلى سلوك روح التلاقي ونبذ التكفير المدان دينياً كان أو خطابياً أو ثقافياً والحفاظ على الوحدة الداخلية. ونحن كمسيحيّين كنا ولا نزال من صلب هذي الأرض ومن صلب المجتمعات التي ننتمي إليها ولنا فيها دورٌ أساسٌ في مدّ جسور التواصل مع الآخر والنهوض معه بكل الأعباء".

وقال: "نصلّي من أجل السلام في سوريا ومن أجل صون استقرار لبنان. نصلّي من أجل العراق ومصر وفلسطين والأردن ومن أجل كل العالم. نصلّي من أجل أن يغلب تهليلُ السلام تهويلَ الحرب وأن يجد السلام طريقه إلى قلوب الناس في الوقت الذي يجد طريقه إلى المؤتمرات. نحن كمسيحيّين متجذّرون هنا في الشرق في الأرض التي وُلدنا فيها. وجهُ المسيح لن يغيب عن مشرقه الذي وُلد فيه. ووجهُه راسخ في فلسطين التي وُلد فيها وفي القدس التي وافاها. ووجهُ القدس لا تغيّره السياسات فهي قبلة لكل الناس وللمسيحيين والمسلمين خصوصاً".

ورأى أنه "لا يسعنا هنا إلّا أن نلفتَ الأنظار إلى قضية مطراني حلب التي تختزل شيئاً من قهر إنسان هذه الأرض الذي يمسي سلعة في سوق المصالح. لقد خطف المطرانان بولس يازجي ويوحنا إبراهيم في نيسان العام 2013 وإلى اليوم ننتظر وينتظر الخيّرون أن ينجليَ فجرُ هذا الملف. إنّ الأخطرَ والأكثرَ إيلاماً في هذا الملف هو هذا التعامي أو التعاجز الدولي وهذا الصمت المطبَق تجاه قضيةٍ تختزل بعضاً من معاناة المخطوفين كل المخطوفين، الذين نصلّي من أجلهم ومن أجل كل مخطوف ومشرّد ومهجّر وملتاع وشهيد طاولته يدُ الحرب والتكفير والإرهاب".

واعتبر اليازجي "أنّنا في هذا الشرق استمرارية لأصالة وجودٍ وعراقةِ تاريخ. ومنه انطلق آباؤنا وأبناؤنا الأنطاكيون إلى كل الدنيا حاملين إنجيلهم وكنيستهم رغم شظف التاريخ. في الشرق نغرس أقدامَنا على رغم كل الأهوال، وإليه منّا حنين خاص إذ فيه تراب آبائنا وذكريات طفولتنا وفيه رضعنا إيماننا من صدور الأمهات وشربنا معه أصالةً ومحبةً لبلادنا. وإن قوةً في الدنيا لن تجتثنا من أرضنا. لأنها منا القلب والكيان".