EN | FR

مجلس البطاركة والاساقفة الكاثوليك في لبنان
اللجنة الأسقفية لوسائل الإعلام في لبنان
المركز الكاثوليكي للإعلام في لبنان

بن معمر: حوار الديانات والثقافات لبناء السلام.. والبابا شريك ومعلم للحوار

طارق ترشيشي

جريدة الجمهورية

الجمعة 03 تشرين الثاني 2017

 

 

 

الأمين العام لمركز الملك عبدالله بن عبد العزيز العالمي للحوار بين أتباع الديانات والثقافات فيصل بن معمر (جوزف برّاك)

 

أنهى الأمين العام لمركز الملك عبدالله بن عبد العزيز العالمي للحوار بين أتباع الديانات والثقافات فيصل بن معمر مهمّته في لبنان بدعوة المرجعيات الدينية الإسلامية والمسيحية إلى مؤتمر يعقده المركز في شباط المقبل في فيينا تحت عنوان «متّحدون لمناهضة العنف باسم الدين». ومِسك ختامِ زيارتِه سيكون اليوم محاضرةً يلقيها في جامعة سيّدة اللويزة يتناول فيها موضوع الحوار بين الديانات والثقافات الذي يُمثّل لبنان «مركزاً كاملاً» له، حسب توصيفه، مضيفاً أنّه يمثّل «بلدنا الثاني» ووطن الحوار الدائم ووطن التعدّدية والتنوّع والتعايش، ونأى بنفسه عن الكلام في السياسة  لأنها ليست مجالَ عمل المركز المتخصّص بالحوار بين أتباع الديانات والثقافات.

يقول بن معمر في لقاء أمس مع مجموعة من الإعلاميين في فندق «فورسيزن» إنّ مركز الملك عبدالله بن عبد العزيز العالمي للحوار بين أتباع الأديان والثقافات يختلف على غيره، انّه الوحيد الذي يجمع بين صانعي السياسات وبين القيادات الدينية، وقد انشِئ استجابةً لظروف عالمية الهدفُ منها تعزيز التعايش وتقوية الحوار بين اتباعِ الديانات وتعزيز الوسطية والاعتدال وترسيخهما ونبذُ التطرفِ بكل أشكاله.

فالعالم، يضيف بن معمر، شهدَ كثيراً من الاحداث بسبب استغلال الارهابيين للدين وتنفيذ عمليات لا علاقة لها به، ما جعلَ الامر قضيةً عالمية تعمل المؤسسات الدولية لمعالجتها، وهناك جهود جبارة تُبذل لمكافحة الارهاب، سواء على المستوى الفكري او على مستوى بناء جسور من التفاهم، لانّ ما يحصل في الشرق والغرب سببُه سوء فهم بعضِنا لبعض، ولذلك كان تأسيسنا للمركز في فيينا وانطلقنا به مؤسسةً دولية على مسارات عدة عملُها موجّه الى كل الاديان والثقافات وعبر برامج ننفّذها في كثير من مناطق العالم.

ويشيد بلبنان بلدنا الثاني، بلد الحوار والنقاش الدائم بين الديانات والثقافات، ووطن التنوّع والتعددية والتعايش، إذ إنّ فيه كلّ المصطلحات التي تلازم عملنا دوماً في مركز الملك عبدالله بن عبد العزيز العالمي للحوار بين أتباع الاديان والثقافات.

ويروي بن معمر أنّ المركز تأسَّس في فيينا منظمة دولية عام 2012 بمبادرة المملكة العربية السعودية بالتعاون مع جمهورية النمسا، ومملكة اسبانيا، الى جانب الفاتيكان عضواً مراقباً مؤسساً ويتألف مجلس إدارته من قيادات دينية، تمثّل 5 ديانات وثقافات رئيسة في العالم، (المسلمون والمسيحيون واليهود والهندوس والبوذيون) ويقوم عمله بشكلٍ اساسي بكثير من البرامج والنشاطات في المنطقة العربية والعالم على تعزيز الحوار والتفاهم بين اتباعِ الاديان والثقافات المتنوّعة، وعلى بناء ثقافة الحوار لبناء السلام واحترام التنوّع وتعزيز التعايش والحفاظ على التماسك الاجتماعي، وذلك من خلال تعزيز المواطنة المشتركة.

ويضيف: تأسّس المركز بعد خطواتِ اطلقَتها المملكة وبدأت في مكة ثمّ في مدريد، ثمّ لقاء خادم الحرمين الشريفين مع بابا الفاتيكان، ثمّ في الامم المتحدة فمؤتمري جنيف وفيينا، وجاء نِتاج اتّفاق بين المملكة والنمسا وإسبانيا والفاتيكان كعضوٍ مؤسس ومراقب، وقد اصطلحنا على تسمية هذه المجموعة مجلس الاطراف او مجلس المؤسّسين، وهو مجلس ادارة يتكوّن من ثلاثة اعضاء مسلمين وثلاثة آخرين مسيحيين ويهودي وهندوسي وبوذي، وهذه التشكيلة تخاطب 70 في المئة من البشر في العالم الذي نَعتقد انّه مقيّد في مجال الحوار.

ويسأل بن معمر، لماذا تأسَّس المركز؟ ثمّ يجيب إنّ في العالم نحو 470 مركز حوار ثنائي، وغيره، ولكن مركز الملك عبدالله يختلف عن تلك المراكز في انّه المؤسّسة الوحيدة التي تجمع بين صنّاع السياسات والقيادات والمؤسسات الدينية التي يمكن ان تشكّل قوةً فاعلة لتعزيز ثقافة الحوار والتعاون لتحقيق الخير للإنسانية كافة، وهو يَعمل بالتعاون مع القيادات والمؤسسات الدينية على معالجة التحدّيات المعاصرة التي تواجه المجتمعات وذلك لمساندة صنّاع السياسات بما في ذلك التصدّي لسوء توظيف الدين لتبرير الاضطهاد وتسويغ العنف والنزاع.

ويشير بن معمر الى انّ المركز اقام علاقات تعاوُن مع كلّ مِن الاتحاد الافريقي (AU)، المنظمة الاسلامية للتربية والعلوم والثقافة (ISESCO)، منظمة التعاون الاسلامي (OIC)، برنامج الامم المتحدة الانمائي (UNDP)، منظمة الامم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (UNESCO)، منظمة الامم المتحدة لتحالف الحضارات (UNAO)، منظمة اديان من اجل السلام Religions For Peace، المنظمة العالمية للحركة الكشفية (WOSM)، المعهد العالي للعلوم الدينية في برشلونة، كلية كوملوتنس في مدريد، وجامعة مونتريال.

أمّا عن البرامج فيؤكد بن معمر انّ المركز عمل عام 2014 على موضوع المواطنة المشتركة في جلسة استشارية انتهت الى الدعوة لعقد لقاء للقيادات والمؤسسات الدينية المتنوّعة في فيينا لإطلاق مبادرة تقوم على مناهضة العنف باسم الدين.

واستجابةً لهذه الدعوة، اطلقَ المركز مبادرة «متّحدون لمناهضة العنف باسم الدين» خلال مؤتمر تاريخي عقِد في فيينا في تشرين الثاني 2014، وقد نتج منه مجموعة توصيات وخطط عمل نوعية تهدف الى تحقيقِ التعايش والتعاضد والتآخي السلمي بين اتباعِ الاديان والثقافات حول العالم، واعلنَ المشاركون من خلال وثيقة فيينا رفضَهم استغلالَ الدين في الصراعات السياسية وفي خدمةِ ايّ نوع من انواع التطرّف.

الكلّيات المسيحية والإسلامية

ويشير بن معمر الى انّ المركز وفي مجال تأمين التربية الحاضنة للتنوّع الديني والثقافي، اطلقَ في أيار الماضي شبكة الكلّيات والمعاهد الدينية الاسلامية والمسيحية في العالم العربي. وهي الشبكة الاولى من نوعها في المنطقة والعالم وتهدفُ الى التأسيس لجيلٍ جديد يعتمد الحوار أداةً لتعزيز التعايش السلمي وبناء التماسك الاجتماعي، وذلك من خلال تعزيز العمل المشترك بين الكليات والمعاهد الدينية الاسلامية والمسيحية، وتطوير استراتيجيات وأدوات تربوية في مجال الحوار بين اتباع الاديانِ والثقافات.

واعلنَ بن معمر انّ المركز يعمل حالياً على تنظيم لقاء دولي في شباط المقبل في فيينا تحت عنوان: «متّحدون لمناهضة العنف باسم الدين ـ تعزيز التنوّع والمواطنة المشتركة من خلال الحوار». ويرى انّ القيادات الدينية في المنطقة، خصوصاً في البلدان المتعددة الاديان والثقافات والاعراق مدعوة الى إيلاء اهتمام خاص بتعزيز التعايش السلمي وبناء التماسك الاجتماعي.

ويشدّد على الحاجة الماسّة لإطلاق منصّة حوار للافراد والقيادات والمؤسسات الدينية في المنطقة العربية للعمل معاً على تطوير استراتيجيات عمل وبرامج نوعية تعزّز ثقافة الحوار وتؤسّس لخطاب ديني معتدل وتصالُحي منفتح على الآخر يغرس قيَم التعدّد والاختلاف واحترام الآخر ويشكّل فضاءً اجتماعياً حاضنا للتنوّع الديني والثقافي.

وكذلك يؤكد بن معمر انّنا عندما نتحدّث عن تعايش ومواطنة مشتركة فهذه مسؤوليتنا في المنطقة، والمقصود في برامجنا هو مأسَسة الحوار، وهذه مشروع دائم ومستمر حتى تحقيق نتائجه، حيث انّ هذا الحوار يجب ان يكون في مركز التربية والتعليم وفي دور العبادة وداخل الأُسَر وفي وسائل الاعلام، فالحوار يبدأ من المنزل الى ان يصل الى مراحل النزاعات والعلاقات بين الاديان.

ويعتبر بن معمر انّ المشكلة في الوطن العربي هي انّنا لم نتعرّف بعضنا على بعض بنحو متواصل لوضع اسسِِ تؤمّن ديمومة العمل، هناك تنظير في كثير من الافكار ولكن يجب ان يكون هناك تطبيق لهذه الافكار، وعندما نعمل على نشرِ ثقافة الحوار في المجتمع فإننا سنؤمّن من خلال ذلك الحلول الناجعة لكثير من المشكلات.

وإذ اعتبَر انّ مشكلتنا هي التعصّب والعنف، قال: عشنا آلاف السنين بعضنا مع بعض مسلمين ومسيحيين ولم يحصل تهجير الّا في حالات معينة، ولكن هذه الحالات شكّلت دروساً مستفادة. ولذا علينا ان نتعلّم من دروس الماضي.

وردّاً على سؤال حول الاحتقان السنّي ـ الشيعي السائد في المنطقة، يقول بن معمر: نحن نَعمل على الحوار بين الاديان الخمسة ولا يمكن ان نغفلَ هذا الجانب، ولدينا في المركز اخوة من السنّة والشيعة ويقدّمون انفسَهم للمجتمع الدولي على انّهم مسلمون وليس سنّة وشيعة، امّا العلاقة السنّية ـ الشيعية فيجب النظر اليها من منظور اسلامي وليس من منظور التعصب.

ودعا الى مواثيق شرف اعلاميّة في العالم العربي لضبطِ القنوات الفضائية التي تشتم هذا المذهب او الدين او ذاك، فهذه القنوات تشكّل كارثة، وندعو المؤسسات الاعلامية والثقافية الى تعزيز ثقافة النقاش والحوار لبناء ثقافة السلام.

وإذ ينوّه بن معمر بدور الفاتيكان وعملِه مع المركز، يصف البابا فرنسيس بأنه معلم الحوار، إذ إنّه يخاطب المسلمين بعبارة «إخواني المسلمين». وقال بن معمر: دور الفاتيكان مهم جداً وهو شريك على المستوى الاساسي لعمل المركز منذ انطلقَ من مكة ويشكّل مظلة له هي من اقوى المظلّات على مستوى الاديان.

ويَختم بن معمر مشيراً الى انّ نشر ثقافة الحوار في العالم العربي ما يزال في مراحله الاولى، وإنّي اشعرُ الآن بأنّ درجة الوعي بقيمة الحوار تطوّرت بنحو خيالي، ولكن ليس هناك تواصل ولا توزيع اعمال بالمستوى المطلوب بعد.

وكان بن معمر قد جالَ أمس على كلّ من البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان، ورئيس المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى الشيخ عبد الامير قبلان وشيخ عقل طائفة الموحّدين الدروز الشيخ نعيم حسن، والعلّامة السيّد علي الأمين، وسلّمَهم دعوةً الى المشاركة في المؤتمر الذي سيعقده المركز في شباط المقبل، في فيينا تحت عنوان متّحدون لمناهضة العنف باسمِ الدين.

وقد أثنى خلال لقائه الراعي على أهمّية الزيارة التاريخية التي سيقوم بها البطريرك الى المملكة العربية السعودية، خصوصاً لجهة تعزيز الحوار والانفتاح بين شعوب المنطقة.