EN | FR

مجلس البطاركة والاساقفة الكاثوليك في لبنان
اللجنة الأسقفية لوسائل الإعلام في لبنان
المركز الكاثوليكي للإعلام في لبنان

تقرير "أفد" عن البيئة العربية في 10 سنين: توجُّه إلى تخضير الاقتصاد وإدارة الموارد الطبيعية

  • 2 تشرين الثاني 2017 النهار

وضع البيئة في العالم العربي تراجع في جوانب كثيرة، لكنه أحرز تقدماً على بعض الجبهات. هذا هو الاستنتاج الرئيسي الذي توصل إليه التقرير الجديد للمنتدى العربي للبيئة والتنمية (أفد) وعنوانه "البيئة العربية في عشر سنين". وهذا التقرير هو العاشر في السلسلة السنوية عن وضع البيئة العربية، التي أطلقها "أفد" عام 2008. ويُطلق التقرير في مؤتمر دولي يُفتتح اليوم في بيروت

ويفيد التقرير أن اعتماد سياسات تعزز التحول إلى الاقتصاد الأخضر لم يكن دائماً مبنياً على خطط بعيدة المدى، بل انطلق من حتمية معالجة المشاكل الاقتصادية الحرجة الناشئة، إلى جانب النقص في الموارد الطبيعية. ولذا اتخذت التغييرات صفة "الهبوط الاضطراري" في أوضاع مضطربة، بدل "التحوّل السلس" في ظروف مستقرة. فعلى سبيل المثال، كان الاسراع في الإلغاء التدريجي لدعم الأسعار وإطلاق برامج لكفاءة الطاقة والطاقة المتجددة نتيجة للقيود المفروضة على الموازنة وانخفاض أسعار النفط. وأدى النقص في مصادر المياه العذبة إلى تخصيص استثمارات في كفاءة استخدام المياه وفي مصادر المياه غير التقليدية، بما في ذلك تدوير المياه المبتذلة وإعادة استخدامها. ومن أجل تحقيق الأمن الغذائي، بدأ العديد من البلدان العربية إدخال ممارسات زراعية مستدامة، بما في ذلك الري الأكثر كفاءة وزيادة الانتاجية. لكن التقدم لا يزال بطيئاً، والتحسن المتواضع الذي حصل مهدّد في حال استمرار الصراعات والحروب وعدم الاستقرار.

الرأي العام

وقد أظهر استطلاع للرأي العام أجراه "أفد" في 22 بلداً كجزء من التقرير أن الجمهور العربي يتفق والخبراء على أن البيئة استمرت في التدهور طوال السنين العشر الأخيرة. فقد وجد 60 في المئة أن وضع البيئة في بلدانهم يتراجع، بينما تعتقد غالبية عظمى وصلت إلى 95 في المئة أن بلدها لا يقوم بما يكفي للتصدي للتحديات البيئية، وأن الحكومات لا تبذل ما يكفي لهذا الغرض ولإدارة البيئة بشكل صحيح. أما أهم التحديات البيئية، استناداً إلى الاستطلاع، فهي النفايات الصلبة وضعف الوعي البيئي وتدهور الموارد المائية والتلوث الصناعي وتغير المناخ.

السياسات والحوكمة

ويلاحظ التقرير أنه، على رغم عشرات الاستراتيجيات والخطط الإقليمية الخاصة بالبيئة والتنمية المستدامة التي اعتمدتها جامعة الدول العربية، لم يحرز تقدّم ملموس في التطبيق. أما على الصعيد الوطني، فقد تعززت المؤسسات البيئية بوجه عام، مما أسفر عن بعض التحسينات في الإدارة البيئية. وبرز التحول الرئيسي في السياسة العامة في الاصلاحات الأخيرة في أسعار الطاقة والمياه، بما في ذلك البلدان الرئيسية المنتجة للنفط في مجلس التعاون الخليجي. وبالإضافة إلى إصلاح سياسات الدعم، شهدت المنطقة تقدماً في اعتماد سياسات للطاقة المستدامة، بما فيها أهداف وخطط عمل لكفاءة الطاقة وسياسات الطاقة المتجددة.

ويشير التقرير إلى تطوّر لافت في مشاركة البلدان العربية في المساعي الدولية لمواجهة تغير المناخ، والتي بلغت ذروتها في اتفاق باريس. فقد وقع الاتفاق جميع أعضاء جامعة الدول العربية البالغ عددهم 22 عضواً، باستثناء سوريا، وصادق عليها 14 بلداً.

ولتحقيق كفاءة أفضل في إدارة الموارد، دعا التقرير إلى استبدال الدعم العشوائي الشامل لأسعار السلع والخدمات، مثل الماء والمحروقات والكهرباء، بدعم موجه إلى الشرائح المحرومة في المجتمع. وينبغي أن تلبي سياسات التسعير الحاجات البشرية الأساسية، وأن تعزز كفاءة الموارد، وأن تسترد كلفة تقديم الخدمات من غير أن يؤثر ذلك على الفقراء.

الاقتصاد الأخضر

ويسجّل التقرير أن العقد الماضي شهد انتقالاً ملموساً للبلدان العربية نحو الاقتصاد الأخضر. فمن الصفر تقريباً في اعتماد انظمة اقتصاد أخضر أو استراتيجية مستدامة، أدرجت سبعة بلدان عناصر الاقتصاد الأخضر والاستدامة في خططها. وأعطى هذا إشارة قوية للقطاع الخاص لزيادة الاستثمارات أضعافاً، وخصوصاً في الطاقة المتجددة، كما برز في المغرب والأردن والإمارات، حيث استثمرت البلايين في مزارع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.

واعتمد بعض استراتيجيات السياسة العامة، مثل رؤية السعودية 2030، نوعاً من المحاسبة لرأس المال الطبيعي، بوضع قيمة نقدية للموارد الطبيعية. وأدت الإجراءات المالية التي اتخذتها المصارف المركزية في لبنان والإمارات والأردن إلى زيادة كبيرة في القروض التجارية للمشاريع الصديقة للبيئة. لكن التقرير رأى أنه يتعيّن على الدول العربية تخصيص مبلغ إضافي لا يقل عن 57 بليون دولار سنوياً من مصادر محلية وخارجية لدعم تنفيذ أهداف التنمية المستدامة.

المياه

ولا تزال ندرة المياه تتفاقم في المنطقة العربية، نظراً إلى الموارد المحدودة للمياه العذبة المتجددة وتدهور الجودة من جهة، والنمو السكاني ونقص الأموال لتمويل البنية التحتية للمياه من جهة أخرى. وخلال السنين العشر الأخيرة، انخفض متوسط نصيب الفرد من المياه العذبة في 22 بلداً عربياً من نحو 990 متراً مكعباً سنوياً إلى أقل من 500 – 800 متر مكعب، أي عشر المتوسط العالمي، في حين بلغ نصيب الفرد من المياه المتاحة في تسعة بلدان أقل من 200 متر مكعب. وهذا يعني أن نحو 40 في المئة من السكان العرب يعيشون في فقر مائي مطلق.

وفي حين تعالج نسبة 60 في المئة من مياه الصرف الصحي، يرمى أكثر من نصف المياه المعالجة في البحر ولا يعاد استخدامها. وقد تسبب هذا بمشاكل كبيرة في البيئة البحرية تتمثل في ارتفاع نسبة المغذيات العضوية.

وباستثناء دول المشرق التي تعاني حروباً ونزاعات، ارتفعت نسبة السكان العرب الذين يحصلون على مياه الشرب المأمونة من 85 في المئة إلى 90 في المئة، وهي بذلك تقترب من المتوسط العالمي. وقد حقق الوصول إلى مرافق الصرف الصحي المحسنة زيادة كبيرة في السنين العشر الأخيرة، إذ بلغ 85 في المئة من السكان. وتم إصلاح سياسات دعم المياه في العديد من البلدان، وهي خطوة من المتوقع أن تعزز كفاءة استخدام المياه واسترداد التكاليف.

الأمن الغذائي

ويتحدث التقرير عن تدهور الأمن الغذائي في العديد من البلدان العربية، التي تشكل أكبر منطقة عجز غذائي في العالم، مع وجود فجوة متزايدة بين الإنتاج والاستهلاك المحليين. ومن حيث القيمة النقدية، سجلت الفجوة الغذائية العربية الإجمالية زيادة كبيرة من 18 بليون دولار عام 2005 إلى 34 بليون دولار عام 2014. وتعزى هذه الزيادة إلى عوامل عدة وتطورات مترابطة في العالم العربي، أهمها النمو السكاني المرتفع، وانخفاض الإنتاجية الزراعية، واستنزاف الموارد الطبيعية، وتأثيرات تغير المناخ، وتسرب مياه البحر، وارتفاع نسبة هدر الأغذية إلى نحو 35 في المئة، وانتشار الاضطرابات السياسية والصراعات الأهلية على نطاق واسع. ويدعو التقرير إلى تخفيف الهدر وتحسين الإنتاجية وزيادة الموازنات المخصصة للأبحاث الزراعية، والتعاون الإقليمي.

الطاقة

ويقول التقرير إن الاتجاهات الحالية لاستخدام الطاقة تضع الاقتصادات العربية ضمن أقل البلدان كفاءة على الصعيد العالمي. ويبلغ متوسط الخسائر في توليد الكهرباء ونقلها وتوزيعها 19.4 في المئة، أي أكثر من ضعفي المعدل العالمي، بينما يبلغ النمو في استهلاك الطاقة 8 في المئة، أي ضعفي معدل النمو الاقتصادي.

ومع أن مساهمة الطاقة المتجددة في مزيج الطاقة لا تزال هامشية في حدود 3.5 في المئة، إلا أن التوقعات إيجابية في الغالب، بحيث يتوقع أن يتضاعف حجمها حتى سنة 2020. كذلك من المتوقع أن يحصل معظم التطورات الكبرى في السعودية، التي أعلنت عن خطط لإنتاج 9.5 جيغاواط من الكهرباء المتجددة بحلول سنة 2023 و54 جيغاواط بحلول سنة 2040. وقد أعلنت 12 دولة عربية عن أهداف للطاقة المتجددة، تتجاوز 20 في المئة، بينها الإمارات والأردن والجزائر ومصر والسعودية وتونس، بينما وضع المغرب الهدف الأكبر للتحوّل إلى الطاقة المتجددة بنسبة 52 في المئة سنة 2030. وإلى ذلك، اعتمدت بلدان عدة أنواعاً مختلفة من تدابير السياسة العامة لتعزيز كفاءة استخدام الطاقة.

ومع توقّع التقرير أن يؤدي اكتشاف احتياطات الغاز الكبيرة في شرق البحر المتوسط إلى تعزيز اقتصادات البلدان المعنية، وتوفير مصدر للطاقة الاحفورية الأقل تلويثاً، كمرحلة انتقالية إلى مزيد من المصادر المتجددة النظيفة، يشدّد على وجوب اعتماد قواعد بيئية صارمة تأخذ في الاعتبار الطبيعة الهشة لهذا البحر شبه المقفل.

ويدعو التقرير إلى فصل النمو الاقتصادي عن استهلاك الموارد من خلال الاستخدام الفعال، وتخفيف الكربون من مزيج الطاقة للحد من البصمة الكربونية، والقضاء على فقر الطاقة لتحقيق العدالة الاجتماعية وإزالة التفاوت في مؤشرات الطاقة والاقتصاد.

الهواء

ويظهر التقرير أن نوعية الهواء تدهورت في البلدان العربية، وتضاعفت انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون. وقد ارتفع استهلاك الكهرباء بنسبة 75 في المئة، مما أدى إلى انبعاث 766 مليون طن من ثاني أوكسيد الكربون عام 2015، في مقابل 436 مليون طن عام 2006. وازدادت الانبعاثات الناجمة عن قطاع النقل بسبب النمو الكبير في القطاع في غياب أي تدابير تخفيف فعالة، وضعف وسائل النقل العام في معظم البلدان. ويحذر التقرير من أن المستويات المسجلة لتلوث الهواء في المدن العربية تبلغ 5 إلى 10 أضعاف الحدود القصوى التي حددتها منظمة الصحة العالمية. لكنه يشير إلى الحد من محتوى الكبريت في وقود الديزل في معظم البلدان العربية، والتحوّل إلى البنزين الخالي من الرصاص. غير أن هذا لم يمنع ملوثات أخرى من الارتفاع، مثل أول أوكسيد الكربون وأكاسيد النيتروجين.

البحث العلمي

أسرع المواضيع البحثية نمواً في مجال العلوم البيئية في العالم العربي هي الصحة والتلوث والمياه، إذ ازدادت الأبحاث بمعدل مرتين منذ عام 2008. أما أبطأ المواضيع نمواً فهي تغير المناخ والسياسات البيئية والتنوع البيولوجي وحماية الطبيعة.

لكن التقرير يلاحظ أنه نادراً ما تنعكس نتائج المشاريع البحثية والمنشورات في البلدان العربية على السياسات، ونادراً ما تساهم في إيجاد حلول للمشاكل البيئية. وعلى عكس ضعف مساهمة وتأثير الباحثين العاملين في البلدان العربية، ساهم باحثون عرب يعملون في الخارج مساهمة جيدة في العديد من المجالات المتعلقة بالعلوم البيئية، وكان لهم تأثير عميق على المجتمع. ويدعو التقرير إلى تطوير بنية تحتية تربط المؤسسات البحثية والصناعة والمجتمع. ومن أجل عكس اتجاه هجرة الأدمغة المتمثلة في نسبة كبيرة من الطلاب العرب الذين يدرسون في الخارج ولا يعودون إطلاقاً، ينبغي تشجيع الاستثمار في الباحثين الشباب ورأس المال الفكري.

ويخلص تقرير "أفد" إلى أنه من أجل ضمان الانتقال الناجح إلى بيئة أفضل كدعامة أساسية للتنمية المستدامة، تحتاج البلدان العربية عاجلاً إلى ترجمة إعلاناتها السياسية واستراتيجياتها الإقليمية الكثيرة إلى برامج عمل ملموسة. وينادي بتعزيز التعاون الإقليمي بين البلدان العربية، بما في ذلك المشاريع المشتركة في مجالات المياه والطاقة وإنتاج الأغذية، فضلاً عن الأبحاث والتعليم وبناء القدرات.

ويبرز ضرورة حساب المكونات والموارد البيئية باعتبارها أصولاً ذات ثمن، مع تحديد قيمة نقدية لنضوب الموارد والتلوث، وإدراجها في الموازنات الوطنية. ومن الضروري اعتماد إدارة حكيمة تشمل سياسات مالية وأنظمة وحوافز سوقية مستقرة ويمكن التنبؤ بها، وتشجيع الاستثمار المحلي والأجنبي في مشاريع البنية التحتية الخضراء.

وفي نهاية المطاف، يشكل الاستقرار السياسي والأمن في البلدان العربية شرطاً ضرورياً لصياغة وتنفيذ خطط استراتيجية طويلة الأجل للتنمية المستدامة تشمل البيئة.