EN | FR

مجلس البطاركة والاساقفة الكاثوليك في لبنان
اللجنة الأسقفية لوسائل الإعلام في لبنان
المركز الكاثوليكي للإعلام في لبنان

حقائق عن حياة مريم العذراء في الناصرة... كم تبقّى من المسيحيين في الأراضي المقدّسة؟

الكاتب: مجد بو مجاهد - النهار

تاريخ النشر December 28, 2017

3% فقط من سكان فلسطين بحدودها التاريخية، مسيحيون. معظمهم هاجر. “الحياة هناك لا تطاق”، يقول من قطنها 12 عاماً. والوجود المسيحي في فلسطين انعكاس لمرآة المنطقة. تقول الدراسات التاريخية انهم كانوا يشكلون 25% من سكان الشرق الأوسط عند نهاية الحرب العالمية الاولى. تقلصت النسبة اليوم الى 8%، ووصلت الى 1% في بعض المناطق.

ولعل أوضاع مسيحيي العراق مثال حي. من مليون و600 ألف في عهد صدام حسين الى 300 ألف اليوم. انها عمليا نسبة تراجع مخيفة”، يصفها علماء التاريخ.

في فلسطين، ما من أرقام دقيقة. لكن حكايا بعض القرى وأرقامها تكفي. الناصرة استثناء. المدينة التي سكنتها مريم العذراء ونشأ فيها يسوع المسيح، لا تزال تنبض بالمسيحية. ليس بمعالمها المقدسة فحسب، بل بسكانها. يعيش فيها أكبر تجمع مسيحي في فلسطين التاريخية. بل انها المركز الرئيسي لعرب 48. حدثونا عنها، ونقلوا الينا لوحة سردية عن يومياتها. كيف تبدو بعد مضي آلاف السنين على البشارة؟ ماذا تغير في معالمها؟ وكيف يعيش مسيحيوها؟

تاريخياً، لم تكن الناصرة مختلفة في تضاريسها وخصائصها الجغرافية عن اي منطقة في المشرق. بل كان السكان يعتمدون على الزراعة سبيلاً للعيش في مدينة خاضعة للحكم الروماني. الفقر كان مسيطراً. وكانت أرض المنازل مؤلفة في الأراضي المقدسة في بيت لحم من الحجر. ويشير المؤرخون الى “منزلٍ قطنته مريم العذراء في الناصرة، يحوي في داخله بئر ماء وأرضه من التراب. عاش يوسف ومريم حياة متواضعة. كانا يجمعان ماء الشتاء في البئر. ولكن مظاهر العيش هذه لم تكن مخصوصة ببيت لحم او الناصرة وحسب، بل هي في المنطقة أجمع”، وفق ما يروي النائب البطريركي العام في بطريركية انطاكية وسائر المشرق للموارنة المطران بولس الصياح. أما اليوم، فأحوال الناصرة تبدّلت. انها “مدينة حديثة ومتطورة ومختلطة، تعتمد على عائدات السياحة بشكل أساسي. وهي لم تشهد تهجيراً واسعاً لسكانها العرب، كما بقية المدن الفلسطينية”.

والصياح الذي عاش في الأراضي المقدسة 12 سنة، يتحدّث الى “النهار” عن تجربته، ناقلاً مشهدية يتوق كثيرٌ من المؤمنين الى اختبارها، لو ان زيارة الناصرة متاحة لهم في ظروفٍ طبيعية.

عن الوجود المسيحي هناك يقول ان هجرة ما تبقى من مسيحيين في فلسطين قليلة اليوم نظرا الى توافر البحبوحة المادية. ولكن تمييزا عنصريا يسود العلاقات المجتمعية بين السكان. اذ ان العرب، رغم خدمتهم في صفوف الجيش الاسرائيلي، يترقون الى درجة معينة فقط. كما ان تخصص التلميذ العربي في الطب، على سبيل المثال، يتطلب عناءً وجهداً كبيرين، فيما التسهيلات مؤمنة للطلاب اليهود”.

ويتحدث المواطنون العرب في الناصرة اللغتين العربية والعبرانية. لكنهم، في حال ترعرعوا في محيط عربي صرف من دون التواصل مع اليهود، فلا حاجة الى أن يتقنوا العبرية.

ويعدّد الأبرشيات الكاثوليكية المؤثرة في الناصرة: “أبرشية الروم الملكيين الكاثوليك، وهي الأكبر في الجليل، اضافة الى الأبرشية المارونية والابرشية اللاتينية. فيما أكثرية اللاتين من المسيحيين القاطنين، من الأجانب. المواطنون اللاتين ليسوا محليين في الأصل، وأعدادهم قليلة، ومنهم من أصول مارونية ربما، لكنهم تحولوا الى لاتين لسببٍ أو لآخر”.

عدد المسيحيين
كبرت المسيحية في أرض فلسطين التاريخية مع الوقت، كما يقول علماء التاريخ. لكن لقب المسيحيين أطلق للمرة الاولى في انطاكية، وليس في الأراضي المقدسة. “الرسل استطاعوا ان ينشروا أفكار المسيحية ويدونوا أفكار المسيح في المراحل الاولى حتى سنة 120 للميلاد. وهم بشروا بالأناجيل التي بدأت تظهر في أوساط يهودية الى جانب قسم من شعب الفلستو الذي اعتنق المسيحية. لكن العبرانيين كانوا اول من اعتنقها. ومع تبشير القديس بولس الرسول، تبين ان الدعوة توجهت الى فئة أوسع لتشمل البشرية جمعاء”، يقول استاذ التاريخ القديم في الجامعة اللبنانية الدكتور مروان ابي فاضل.

وتقول بعض المراجع التاريخية، كما يسرد أبي فاضل، إن “أعداد المسيحيين كانت تفوق أعداد المسلمين حتى بداية المرحلة العثمانية. لكن تفوّق المسلمين في العدد برز بعيد القرن السادس عشر. وفي القرن العشرين بات عدد المسلمين هو الأكبر في فلسطين. ومع بداية الهجرة اليهودية الى الأراضي الفلسطينية بعيد الحرب العالمية الأولى، تقلّص عدد المسيحيين أكثر نتيجة الاستيطان اليهودي والعنف الذي ساد المنطقة”.

وبالأرقام، يروي الصياح ان “هجرة المسيحيين الكبرى حصلت سنة 1948. اذ كان يقطن حيفا على سبيل المثال 5000 ماروني. وفي غضون اسبوع واحد، تقلّص عدد الموارنة فيها الى 300 شخص. فقد هجّر اليهود الشعب بعد دخولهم. ومن المسيحيين من لجأ الى أماكن أخرى من فلسطين، ومنهم من لجأ الى الاردن او الى لبنان. وفي كفربرعم، قرية مسيحية تعدّ ألف مارونيٍّ، لم يبق أحد. هاجروا جميعا”.

وينفي صياح نظرية ان الدول الغربية كانت قد أعانت مسيحيين فلسطينيين واحتضنتهم وأمنت خروجهم الآمن. ويقول انه “في ذلك الوقت، أحد لم يتطلع الى اوضاع المسيحيين”.

لكن لا احصاءات دقيقة متوافرة اليوم عن أعداد المسيحيين على امتداد الأراضي الفلسطينية وتلك الخاضعة لسيطرة اسرائيل. بيد ان نسبتهم تعبّر عن الواقع الحالي، كما ان المكتوب يقرأ من عنوانه. اذ يشكل العرب “21% من سكان اسرائيل، فيما يشكل المسيحيون 2% منها. أما في الأراضي الفلسطينية (قطاع غزّة والضفة الغربية)، فيبلغ عدد المسيحيين فيها 1% فقط، مما يعني ان المسيحيين يشكلون اليوم 3% من سكان فلسطين بحدودها التاريخية”. ويرجع سبب هذه الأعداد الخجولة من المسيحيين في تلك البقعة الجغرافية الى “الحياة التي لا تطاق نظراً الى العنف المسيطر على المنطقة”، على قول الصيّاح. فالمسيحي في الاجمال، “لا يشعر بالارتياح في مكان لا يتمتع فيه بالأولوية. اذ انه يأتي في المراتب الثانوية في تصنيف الشعوب القاطنة في اسرائيل. كما ان العنف المستمر في المنطقة سبب دائم للهجرة”.

وبعبارة أخرى، يقول الصياح إن “العيش في فلسطين التاريخية صعب للغاية. الحياة الاجتماعية غير مشجعة، خصوصاً للمواطن العربي، أكان مسيحيا ام مسلما. انه لا يعيش في وضع محترم ولا قيمة له، بل ان التمييز العنصري مسيطر بطريقة او بأخرى”.