EN | FR

مجلس البطاركة والاساقفة الكاثوليك في لبنان
اللجنة الأسقفية لوسائل الإعلام في لبنان
المركز الكاثوليكي للإعلام في لبنان

خدمة المحبة الإجتماعية الرسالة العامة الخامسة للبطريرك للكاردينال مار بشاره بطرس الراعي بطريرك انطاكية وسائر المشرق

 

Image may contain: text

إلى إخواننا السَّادة المطارنة الأجلّاء،

وإلى الرؤساء العامّين والرئيسات العامّات،

وإلى أبناءِ كنيستنا المارونيّة وبناتها، الكهنة والشَّمامسة والرهبان والراهبات،

وسائر المؤمنين والمؤمنات، في النطاق البطريركي وبلدان الانتشار الأحبّاء.

 

السلام والبركة الرسوليّة.

المقدّمة

1. خدمة المحبّة الاجتماعيّة تنبع من طبيعة الله. فهو “محبّة” وغنيّ بالرحمة”[1]. وبهذه الصفة تفوق المستوى الأفقي والشَّأن الإداري المحض كإعالة اجتماعيّة، لتصبح طاقة روحيّة، وينبوعًا لعطاء لا ينضب. هذا ما عبّر عنه القدّيس بولس الرسول في رسالته الأولى إلى أهل كورنتس: “لو كنتُ أنطق بألسنة الناس والملائكة ولي العلم كلّه، ولم تكن فيَّ المحبة، فإنّما أنا نحاسٌ يطنّ أو صنج يرنّ. ولو بذلتُ جميع أموالي لإطعام المساكين، وأسلمتُ جسدي لأُحرَق، ولم تكن فيَّ المحبة، فلا أنتفعُ شيئًا” (1كور13: 1-3). تعكس خدمة المحبّة جوهر حياة الكنيسة ورسالتها الروحيّة والراعويّة والاجتماعيّة. لقد اخترتُها موضوعًا لرسالتي العامّة الخامسة، مستوحيًا إيّاها من الإرشاد الرسولي “فرح الإنجيل” لقداسة البابا فرنسيس الصادر في 24 تشرين الثاني 2013، في أعقاب الجمعيّة العامّة لسينودس الأساقفة حول “الكرازة الجديدة بالإنجيل لنقل الإيمان المسيحي”، ومن البراءة الرسوليّة “وجه الرحمة” التي افتتح بها البابا فرنسيس يوبيل سنة الرحمة في 8 كانون الأول 2015، ومن الرسالة العامّة “الله محبّة” للبابا بندكتوس السادس عشر لمناسبة مرور عشر سنوات على صدورها.

2. في الفصل الأوّل من الرسالة، نُظهر الرباط اللّاهوتي بين الكرازة بالإنجيل وسنة الرحمة المقدّسة وخدمة المحبّة الاجتماعيّة؛ وفي الفصل الثاني ننقل نشاط البطريركيّة وأبرشيّاتنا ورهبانيّاتنا في الحقل الاجتماعي ومساحات هذا النشاط؛ وفي الفصل الثالث نعرض الخطّة المستقبلية لخدمة المحبّة في كنيستنا المارونيّة، على أن يُصار إلى تطبيقها في أبرشيّاتنا ورهبانيّاتنا ومؤسّساتنا المارونيّة في لبنان والنطاق البطريركي وبلدان الانتشار.

الفصل الأوّل

خدمة المحبّة ورحمة الله والكرازة بالإنجيل

يتناول هذا الفصل تعليم الكنيسة ودورها في مواجهة التناقضات والتحدّيات.

أوّلًا، تعليم الكنيسة

3. الرسالة العامة “الله محبّة” تؤكّد أنّ المحبّة جزء من طبيعة الكنيسة وتعبير واضح عن جوهرها[2] لكونها جماعة محبة. وتوضح الرسالة أنّ خدمة المحبّة (diakonia) لا تنفصل عن الخدمتَين الأخريَين: خدمة الكرازة بالكلمة (kerygma)، وخدمة الأسرار الخلاصيّة (liturgia). من دون هذه الثلاثة المجتمعة والمتكاملة، والتي تشكّل أعمدة الكنيسة، لا يمكن أن تتحقّق طبيعة الكنيسة ورسالتها.

فالكرازة فعل حبّ تحرّكه محبّة الكلمة والجماعة. والأسرار، التي نحتفل بها بالأمانة لكلام الله، هي علامات حضور يسوع المحبّ. أمّا خدمة المحبّة فتتأصّل وتتنقّى بالكلمة الإلهيّة وبنعمة الأسرار.

4. في براءة افتتاح يوبيل سنة الرحمة بموضوع “وجه الرحمة”، اختار البابا فرنسيس شعارًا للسنة المقدّسة “رحماء كالآب”، كي يدعونا لنفتح قلوبنا للّذين يعيشون أوضاع الهشاشة والألم، وتطبعُ الجراحُ أجسادَهم، وللّذين تخنق لامبالاة الشعوب الغنيّة صوت صراخهم. إنّ الكنيسة مدعوة، بأبنائها وبناتها، برعاتها ومؤسّساتها، لمداواة هذه الجراح، وتخفيفها بزيت العزاء، وتضميدها بالرحمة، والاعتناء بها بروح التضامن والانتباه. لا تُعالَج هذه الأوضاع المؤلمة باللّامبالاة التي تذلّ، أو بالتعوّد عليها الذي يخدِّر النفس، أو بالتهكّم الهدّام. بل يجب أن نقارب هؤلاء الإخوة والأخوات، وأن نجتذبهم إلينا، لكي يشعروا بحرارة حضورنا وصداقتنا وأخوّتنا. فلتصبح صرختُهم صرختَنا، ومعًا فلنعمل على كسر حاجز اللّامبالاة التي غالبًا ما تسود لتُخبئ الرياء والأنانية[3].

5. يعتبر الإرشاد الرسولي “فرح الإنجيل” أنّ الكرازة بالإنجيل هي حتمًا ذات محتوى إجتماعي، لأنّ الحياة الاجتماعيّة والالتزام في بناء مجتمع أفضل ينبعان من صميم الإنجيل الذي يدعو إلى المحبّة الاجتماعيّة. فعندما نقول “كرازة بالإنجيل” نعني حضور الله، الواحد والثالوث في العالم، وفعله الدائم خلقًا وخلاصًا وتقديسًا: الاعتراف بأب سماوي، لا حدّ لمحبّته، يجعلنا نقرّ أنّه يمنح كلّ كائن بشري كرامة لا متناهية؛ والاعتراف بابن إلهيتجسّد وافتدى الجنس البشري بالموت على الصليب، يحملنا على الإدراك أنّ الله لا يفتدي الشخص الفرد بحدّ ذاته وحسب، بل يفتدي أيضاً العلاقات الاجتماعيّة بين البشر؛والاعتراف بروحٍ قدسٍ يشعل فينا الإيمان بأنّه يعمل في الجميع حتى النفاذ إلى كلّ وضع إنساني وإلى المساحات الاجتماعية كافّة، من أجل ترقّيها ونموّها الشامل[4].

6. إنّ الكرازة بالإنجيل لن تكون كاملة إذا لم تلمس العلاقات القائمة بين كلام الله وحياة الإنسان الشخصيّة والاجتماعيّة. فالإنجيل ذو ديناميّة وشموليّة، بحيث أنّ الآب يريد أن يخلّص جميع الناس، “ويجمع بتدبيره تحت رأس واحد هو المسيح، الأشياء كلّها، ما في السماوات وما على الأرض”[5]. هذا هو هدف الإرسال في الكنيسة: “إذهبوا إلى العالم كلّه، واكرزوا بالإنجيل للخليقة كلّها“[6]. وصيّة إعلان إنجيل محبّته تشمل جميع أبعاد الوجود وجميع الأشخاص وجميع قطاعات الحياة الاجتماعية والشعوب[7].

لذا ينبّهنا البابا فرنسيس إلى عدم جعل الخدمة الاجتماعيّة “محبّة على البطاقة”ضمن سلسلة من الأعمال التي تبغي فقط تهدئة الضمير، بل ينبغي جعلها أفعال حبّ لله المالك على العالم. فبقدر ما يملك الله فيما بيننا، تصبح الحياة الاجتماعيّة فسحة أخوّة وعدالة وسلام وكرامة للجميع.

7. بما أنّ الأرض هي بيتنا المشترك، ووضعنا الله عليها، فنحن جميعًا إخوة وأخوات. ومن واجبنا أن نحبّ البشرية الساكنة عليها، مع كل مآسيها وأتعابها، مع تطلّعاتها وآمالها، مع قيمها وأوهانها. إنّها الكنيسة الحاضرة، بأبنائها وبناتها ومؤسّساتها، تهتمّ بكلّ قواها ببناء عالم أفضل، وتضاعف دائمًا جهودها في الميدان الاجتماعي، على صعيد التفكير والعمل. ومع اتّساع مساحات خدمتها الراعويّة والاجتماعيّة والتربويّة والاستشفائيّة والإنسانيّة والخيريّة والثقافيّة، يبقى عليها أن تقرأ دائمًا علامات الأزمنة، وتسمع نداء مجتمعاتها كواجب لاتّساع محبّتها ورسالتها، وتلتزم بأعمال المحبّة والرحمة الجسديّة والروحيّة والمعنويّة والثقافيّة.

8. يعدّد قداسة البابا فرنسيس في “براءة يوبيل الرحمة” هذه الأعمال كالآتي: أعمال الرحمة الجسديّة هي إطعام الجائع وسقي العطشان وإلباس العريان وإيواء الغريب ومساعدة المريض وزيارة السجين ودفن الميت. وهي أعمال أوصانا بها الربّ يسوع في الإنجيل[8].

أمّا أعمال الرحمة الروحيّة فهي مشورة المرتاب وتعليم الجاهل وتنبيه الخاطئ وتعزية الحزين ومسامحة المسيء واحتمال المزعج، والصلاة إلى الله من أجل الأحياء والأموات[9].

لا تنحصر حاجات الناس في إطار هذه الأعمال الجسديّة، بل تمتدّ لتشمل الحاجات المادّية والمعنويّة والثقافيّة والروحيّة. ويؤكِّد البابا فرنسيس أن في كلّ واحد من “الإخوة الصغار” المحتاجين “حاضر المسيح. فيصبح جسده منظورًا من جديد، في مَن هو معذَّب ومجروح ومجلود وجائع وضائع، لكي نتمكّن من معرفته ولمسه ومساعدته بكلّ عناية”. ويُنهي قداسته بكلمة يوحنا للصليب: “في مساء الحياة سنُدان على المحبة”[10].

 

ثانيًا، التناقضات ومجابهة الكنيسة لها

9. في الإرشاد الرسولي “فرح الإنجيل”، يكشف البابا فرنسيس عن تصرفات تزيد من حالات الفقر والقهر في حياة الشعوب، وعن واجب الكنيسة في مواجهتها.

فيقول إنّ وصيّة “لا تقتل” تتّسع لتشمل اقتصاد الإقصاء والتفاوت الاجتماعي.فالاقتصاد والتفاوت يقتلان حيث “يُقصى” أشخاص وجماعات يتضوّرون جوعًا، في حين تُكدَّس الأموال وثروات الأرض، ويُرمى الطعام بين النفايات؛ وحيث المقتدِر يأكل الأضعف؛ وحيث يرى الناس أنفسهم منبوذين ومهمَّشين بدون عمل وآفاق مستقبليّة؛ وحيث يُعتبَر الكائن البشري سلعةَ استهلاك واستغلال واستعمال، تُستخدم ثمّ تُرمى[11]فمن واجب الكنيسة أن تناضل من أجل إعادة كرامة الإنسان والشخص البشري إلى المقام الذي يريده الله، وأن تحتضن هؤلاء الضحايا.

10. وتأتي صنميّةُ المال المسيطرة على مجتمعاتنا، والتي تسترجع عبادة العجل الذهبي القديم[12]، لتنكر أولويّة الكائن البشري، وتخلق ديكتاتوريّة جديدة، ينتفي منها الوجه الإنساني. إنّ في أساس صنميّة المال هذه والديكتاتوريّة الجديدة، أزمة أنتروبولوجيّة. فمن واجب الكنيسة أن تواصل نشر ثقافة تؤنسن المجتمع، وبخاصّة عالم الاقتصاد والنظام المالي، على المستويَين الوطني والدولي. ومن واجب الكنيسة أيضًا مناداة الضمائر للعودة إلى الأخلاق، بحسب شريعة الله، لصالح كلّ كائن بشري[13].

فلا يمكن قبول الازدراء والتهكُّم بالأخلاق، بل يجب احترامها لكي يقوم توازن ونظام اجتماعي أكثر إنسانيّة وعدالة. من هذه الشريعة الأخلاقيّة تولد العدالة والتضامن. يقولالقدِّيس يوحنا فم الذهب إنّ “عدم إشراك الفقراء في خيراتنا الشخصيّة هو سرقتهم واختطاف حياتهم. فما نستحوذ عليه ليس ملكًا لنا، بل إنّه ملكٌ لهم“. وبالتالي لا يحقّ لمالنا وأموالنا أن تَحكم، بل عليها أن تَخدم، فتدعونا للتضامن، الذي هو العزم الثابت على الالتزام بالخير العام من أجل خير الجميع وخير كلّ واحد بحيث نشعر أنّنا كلّنا مسؤولون عن كلِّنا[14].

11. إذا تواصل الإمعان في الازدراء بالشريعة الإلهيّة والشريعة الأخلاقيّة، تفاقم الظلم، وعمّ الفساد، وازداد روح الاستهلاك والمادّية، وتعاظم التفاوت الاجتماعي، فيتولّد العنف آجلاً أم آجلاً، وعندما يتفلّت لا يستطيع السلاح قمعه، وإذا فعل ولّد نزاعات جديدة أسوأ شرًّا. الكنيسة تواجه كلّ هذه التحديات بعملها الروحي والراعوي ومحبتها الاجتماعية[15].

 

ثالثًا، تحدّيات خطيرة

12. ويشير “فرح الإنجيل” إلى تحدّيات أخرى تنبع من ثقافات سلبيّة متفشّية لها تداعياتها الاجتماعيّة والإنسانيّة. فمن واجب الكنيسة أن تواجهها بكرازتها الإنجيليّة وبأعمالها الرعويّة. نذكر من بين هذه التحدّيات:

أ – التهجّم ضدّ الحرية الدينيّة، وأنواع جديدة من اضطهاد المسيحيِّين في بعض البلدان حتى الحقد والعنف. ما يتسبّب بالإحباط والهجرة والمنع من المساهمة في بناء المجتمع والدولة.

ب – الإفساد المتسارع للجذور الثقافيّة، والميل إلى ثقافات أخرى مناقضة، بفعل العولمة. وذلك بترويج من وسائل الاتّصال الاجتماعي وتقنيّاتها الجديدة المتطوّرة، حيث لا رقيب لها ولا حسيب.

ج – تكاثر الحركات الدينيّة التي يجنح بعضها إلى الأصوليّة، والبعض الآخر يعرض روحانيّة بدون الله، كردّات فعل على المجتمع الاستهلاكي المادّي الفرداني، وعلى حرمان الشعب العائش في الضواحي والمناطق الفقيرة. وتستفيد هذه الحركات من التقصير السائد في بعض الرعايا والجماعات الدينيّة والمؤسّسات حيث لا يتوفّر حسن الاستقبال، وحيث يغلب الطابع الإداري على الواجب الراعوي، وحيث تُهمل زيارة العائلات في بيوتها التي من شأنها أن تكشف حاجاتها المتنوّعة.

د – تعاظم تيّار العلمنة الذي يقلّص الإيمان، ويهمل عبادة الله وتعليم الكنيسة، ويحصر الشَّأن الروحي في داخل الإنسان، ويتنكّر لكلّ تسامٍ روحي، فيُنتج انحرافًا أخلاقيًّا متناميًا، ويلاشي معنى الخطيئة الشخصيّة والاجتماعيّة، وينمّي تيّار النسبيّة. هذا كلّه يؤدّي إلى تضليل شامل يقع ضحيّته بنوع خاصّ الشباب وأجيالنا الطالعة. فمن واجب الكنيسة أن توفّر تربية تساعد على النضوج في القيم الروحيّة والأخلاقيّة، وفي التربية على حسن الحكم النقدي على الأمور.

ه. هشاشة الرباط الزوجي التي تُنتج أزمة هوية، فيلجأ الأزواج بسهولة إلى فسخ هذا الرباط الذي شدّ الله أواصره بنعمة السّر المقدّس، وبعهد الحبّ الذي قطعوه فيما بينهم ومع الله. من واجب الكنيسة أن تكون بجانب الأزواج المتعثّرين وتساعدهم على المصالحة والتفاهم، وتعيدهم إلى حياة الصلاة وممارسة سرَّي التوبة والقربان. فالعائلة هي خليّة المجتمع الحيّة، فتكون سلامته من سلامتها. وهي المدرسة الطبيعيّة للتربية على القيم الإنسانيّة والأخلاقيّة، كما هي الكنيسة البيتيّة التي يتربّى فيها الأولاد على الإيمان والصلاة والقيم الروحيّة[16].

 

الفصل الثاني

النشاطات الاجتماعيّة في مؤسّسات الكنيسة المارونيّة

 

أوّلًا، منطلقات رسالة الكنيسة الإجتماعيّة

13. أرسلَ المسيح كنيسته لتكوِّن بين البشر شركة الإيمان والرَّجاء والمحبّة. تقوم بخدمة الحقيقة والنعمة الفائضتَين من المسيح على جميع الناس، وتعزّز إتّحاد كلّ إنسان إتّحادًا شخصيًّا بالثالوث الإلهي، ووحدة الجنس البشري[17]. ولو أنّ رسالتها لا تعتمد نظامًا سياسيًّا أو اقتصاديًّا أو إجتماعيًّا محدَّدًا، فإن لها دورًا مميّزًا في المجتمع من أجل تحرير الناس من كلّ ما يعوق نموّهم البشري والروحي، لأنّ “مجد الله هو الإنسان الحيّ”، على ما يقول القدّيس إيريناوس[18].

وعلى هذا الأساس، أنشأت كنيستنا المارونيّة مؤسّسات اجتماعيّة خيريّة، ومدارس التعليم العام والتقني، وجامعات ومعاهد وكلّيّات ومستشفيات ومستوصفات ومراكز متخصّصة للمسنّين والأطفال ذوي الاحتياجات الخاصّة والمعوَّقين واليتامى. وأفسحت في المجال أمام أبنائها لاستثمار ممتلكاتها وأوقافها زراعيًّا وصناعيًّا وسياحيًّا وتجاريًّا. وفي كلّ ذلك أمّنت العديد من فرص العمل، والتوظيف، والمساعدات الماليّة والمساندة للعائلات من أجل عيش كريم. كما أسّس مجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك في لبنان رابطة كاريتاس لبنان، لتكون جهاز الكنائس الكاثوليكيّة الاجتماعي والإنمائي.

14. وكون الكنيسة هي في آن مجتمعًا منظورًا وجماعةً روحيّة، فإنّها تسير مع البشريّة جمعاء، وتختبر مع العالم المصير الأرضي نفسه، وهي بمثابة حبّة حنطة وكروح في المجتمع البشري. وباتَ عليها أن تتجدّد دائمًا بالمسيح، لكي من خلال رسالتها الروحيّة وخدمتها الإجتماعيّة تحوِّل الجماعة البشريّة إلى عائلة الله، وتوطِّد أواصر وحدتها الخارجيّة النابعة من وحدة الأفكار والقلوب، وتشدّ أواصر الرباط بين مختلف الجماعات البشريّة والأمم، من دون أن تتلوّن بأيّ نظام سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي[19].

15في مسيرة الكنيسة هذه، الإنسان، كلّ إنسان، هو الطريق الأوّل الذي يجب عليها أن تسلكه لدى قيامها برسالتها، وقد شقّهُ المسيح بسرَّي التجسّد والفداء، فتُعنى به في كلّ مكوِّنات حياته: تقف على حالته وتُحفّز طاقاته، تتنبّه لِما يتهدّده من أخطار؛ تحرّره من كلّ ما يحولُ دون أن تصبح حياته أكثر إنسانيّة؛ تعمل على تعزيز ما يتّفق ومقوِّمات الحياة وكرامة الإنسان الحقّة؛ تعتني بكامل وجوده أي في شخصه وحياته العائليّة والجماعيّة والإجتماعيّة، وفي نطاق حياته الثقافيّة والوطنيّة. ذلك أنّ مصير الإنسان يرتبط بالمسيح ارتباطًا وثيقًا لا ينفصم، في ولادته وموته وفي دعوته في الحياة، وفي خلاصه أو هلاكه[20].

*   *   *

ثانيًا، مؤسّسات الكنيسة المارونيّة، التربويّة والصحيّة

16. نعرض في ما يلي جداول خاصّة بالمدارس والجامعات والمستشفيات والمستوصفات. فنبيِّن عدد المستفيدين من خدماتها والموظَّفين والموظَّفات وبالتالي العائلات التي تجد فيها فرص عمل، والمساعدات الماليّة التي تقدّمها للعائلات المعوزة وسواها.

1- المدارس (العام الدراسي 2015-2016)

نتكلّم هنا عن المدارس الكاثوليكيّة في لبنان، وعددها 275، ومن ضمنها المدارس التابعة للأبرشيّات والرهبانيّات المارونيّة وعددها 123 مدرسة. إنّها تؤمّن جودة التعليم والتربية لثلثَي طلّاب لبنان من أجياله الطالعة. وهي تشمل التعليم العامّ والمهني، والمدارس ذات الأقساط وتلك المجانيّة وشبه المجانيّة المتعاقدة مع وزارة الشؤون الاجتماعيّة.

 

٢٧٥

عدد المدارس

٠٠٠ ،١٩٢

عدد الطلاّب

٨٩١

عدد العاملين من كهنة ورهبان وراهبات

١٣،١٤٣

عدد افراد الهيئة التعليميّة

٢،٩٥٧

عدد الموظّفين

٤٠،١٠٧،٢٥٢،٠٠٠ ل.ل.

قيمة المساعدات السنويّة للعائلات المعوزة

٣٠،٥١٤،٩٥٨،٠٠٠ ل.ل.

قيمة الحسومات لأولاد الهيئة التعليميّة والموظّفين

٤٧،٠٨٩،٠٥٨،٠٠٠ ل.ل.

قيمة الأقساط غير المستوفاة سنويًّا

 

إنّ هذه المدارس تؤمّن العمل لستّة عشر ألف موظَّف علمانيّ، فضلًا عن ثماني مئة وواحد وتسعين من الإكليريكيِّين والمكرَّسين. وتبلغ المساعدات السنويّة فيها للأهالي وأولاد الهيئة التعليميّة والموظّفين سبعين مليار وإثنين وعشرين مليون ومئتين وعشرة آلاف ليرة لبنانيّة. وتسهّل إدارات المدارس على الأهل دفع الأقساط سنة بعد سنة، ما جعل المبلغ غير المستوفى والمتراكم سبعة وأربعين مليار وتسعة وثمانين مليون وثمانية وخمسين ألف ليرة لبنانيّة.

2- الجامعات (العام الجامعي 2015-2016)

17. ينحصر الموضوع بالجامعات المارونيّة الخمس دون سواها. وهي: جامعة الروح القدس الكسليك، جامعة الحكمة، جامعة سيّدة اللويزه، الجامعة الأنطونيّة، جامعة العائلة المقدّسة. وهي مشهود لها بالتميّز العلمي على المستوى الوطني والعالميّ. إنّها توفّر اختصاصات جديدة تتماشى مع مطالب السوق، فلا تُخرّج عاطلين عن العمل. وتفتح فروعًا في مختلف المناطق اللبنانيّة، لتؤمِّن التعليم لأبناء هذه المناطق فلا يتحمّل أهلهم تكاليف إضافيّة للسكن وللتنقّل الطويل. ولو أنّ هذه الفروع لا تتمكّن أحيانًا من تسديد تكاليف التعليم فيها، فيكفي أنّها تقدّم خدمةً اجتماعيّة لأهالي المناطق المجاورة لها.

لا تشمل هذه الجامعات جامعة القدّيس يوسف-بيروت للآباء اليسوعيِّين وكلِّية اللّاهوت لجمعيّة الآباء البولسيِّين-حريصا. فيصبح معهما عدد الجامعات الكاثوليكيّة في لبنان سبعًا.

٥

عدد الجامعات المارونيّة

٢٢،٢٨٧

عدد الطلاّب الإجمالي

٣،٤٩٤

عدد الإداريّين والأساتذة والموظّفين

١٠،٠٨٧

عدد الطلاّب الذين ينالون حسومات على أقساطهم

١٥،٠١٧،٩٣٣،٠٠٠ ل.ل.

قيمة الحسومات السنوية على الأقساط

٢١،١٦٢،٠٦٧،٠٠٠ ل.ل.

قيمة الأقساط غير المستوفاة سنويًّا

 

3- المستشفيات والمراكز الطبّية

18. نحصرها بالمستشفيات والمراكز الطبّية التابعة للأبرشيّات والرهبانيّات المارونيّة وهي:

1. مستشفى سيّدة زغرتا الجامعي

2. المستشفى اللّبناني (الجعيتاوي) الجامعي

3. مستشفى سيّدة المعونات الجامعي، جبيل

4. مستشفى سان جورج، عجلتون

5. مستشفى سان لويس، جونيه

6. مستشفى سانت تريز، الحدث

7. مستشفى بيت شباب

8. مستشفى سيّدة السلام، القبيات

9. مستشفى دار الرحمة-عين سعاده

10. مستشفى العناية الإلهيّة للجماعة الرهبانيّة المارونيّة، رسالة حياة

11. دار الرعاية الماروني، جمعيّة القدّيسة تريزيا الطفل يسوع

12. مركز دير الأحمر الطبّي

تولي هذه المستشفيات والمراكز مع مثيلاتها من مستشفيات الرهبانيّات الأخرى وسواها اهتمامًا خاصًّا بالقطاع الصحّي العالي الجودة. وتؤمّن الخدمات الطبيّة للجميع متعاقدة مع الهيئات الضامنة اللّبنانية ومع وزارة الصحّة، لكي يتمكّن ذوو الدَّخل المحدود من الاستشفاء فيها. وتتحمّل المستشفيات معاناة تَأخّر الدولة في تسديد مستحقّاتها. ممّا يُشكّل عبئًا ماليًّا باهظًا على المستشفيات. وبالرّغم من ذلك، ما تزال مؤسّساتنا تجاهد للاستمرار في تأدية خدمتها للناس وللمجتمع، وللمحافظة على فرص العمل وزيادتها إذا أمكن.

١2

عدد المستشفيات والمراكز الطبية

٢٨٣،٩٦٠

عدد المرضى السنويّ

٣،٨٦٩

عدد الأطبّاء والممرّضات والموظّفين

٧،٨٥٥،٧٧٦،٠٠٠ ل.ل.

قيمة المساعدات السنويّة للمرضى

 

4. المستوصفات

19. تؤمِّن أبرشيّاتنا والرهبانيّات في مختلف المناطق اللبنانيّة مستوصفات مرخّصة توزّع الأدوية والمعاينات الطبّية المتخصّصة للمعوزين. يعمل فيها موظّفون ومتطوِّعون.

 

٢٥

عدد المستوصفات

٢٢٧،٤٨٧

عدد المستفيدين سنويًّا

٤٧٦

عدد الموظّفين براتب شهري

١،٤٢٥،١٥٢،٠٠٠ ل.ل.

الميزانيّة الإجماليّة

 

ثالثًا، مؤسّسات اجتماعيّة مارونيّة أخرى

20تسعى الكنيسة المارونيّة، عملًا بوصيّة المسيح الربّ، إلى خدمته من خلال الفقير والمريض والسجين (متى 25: 31-40). وهي تحاول أن تجاوب، قدر المستطاع، على كلّ الحاجات القديمة والمستجدّة في مجتمعها. فأنشأت مؤسّسات اجتماعيّة أخرى، بالإضافة إلى المدارس والجامعات والمستشفيات والمراكز الطبّية والمستوصفات. وهي دور رعاية الأطفال، ومراكز العناية بالأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصّة، ودور العجزة، ومؤسّسات خيريّة مختلفة.

1- مؤسّسات رعاية الأطفال

21. تملك الكنيسة المارونيّة تسع مؤسّسات إجتماعيّة للعناية بالأطفال، تؤمِّن لهم المأكل والملبس والمسكن والتعليم والعناية الكاملة.

٩

عدد المؤسّسات المارونيّة

١٢٨

عدد الموظّفين

١،٢٠٣

عدد المستفيدين (أولاد)

10،827،000،000 ل.ل.

الميزانيّة الإجماليّة لهذه المراكز

 

2- مراكز العناية بذوي الاحتياجات الخاصّة

22. إنها خمسة مراكز تؤمّن مئة وتسعًا وعشرين فرصة عمل. وتعنى بثلاثمئة وخمسة وتسعين شخصًا.

٥

عدد المراكز المارونيّة

١٢٩

عدد الموظّفين

٣٩٥

عدد المستفيدين

 

3- دور عجزة

23. إنها عشر دور للعجزة، تؤمّن ثلاثمئة وأربعين فرصة عمل. وتعنى بثمانمئة وثمانية وثمانين عجوزًا.

١٠

عدد دور العجزة المارونيّة

٣٤٠

عدد الموظّفين

٨٨٨

عدد المستفيدين

 

4- مؤسّسات خيريّة مختلفة

24. وأنشأت كنيستنا أيضًا تسع مؤسّسات خيريّة مختلفة تعنى بخدمة المحبّة لمدمنين ومساجين ومشرَّدين وسواهم وتخدم ثلاثة آلاف وتسعماية وثلاثة وخمسين شخصًا، وتؤمّن خمسًا وستّين فرصة عمل.

 

٩

عدد المؤسّسات المارونيّة

٦٥

عدد الموظّفين

٣،٩٥٣

عدد المستفيدين

٢،٥٥٢،٠٠٠،٠٠٠ ل.ل.

الميزانيّة الإجماليّة

 

*   *   *

رابعًا، استثمار أملاك الكنيسة وأوقافها

25إنّ الأوقاف هي خيرات، يضعها المؤمنون في عهدة الكنيسة، وممتلكات اكتسبتها الكنيسة، أو مبانٍ أنجزتها، لغايات ثلاث: العبادة وما تحتاج إليه من دور وأوقاف؛تنشئة الإكليروس ومعيشتهم، وأفعال المحبّة والرسالة[21]لذلك، لم تنظر الكنيسة المارونيّة يومًا إلى ممتلكاتها وأوقافها بعين اقتصاديّة بحتة. بل وضعتها في خدمة أبنائها لاستثمارها زراعيًّا وصناعيًّا وتجاريًّا وسياحيًّا، وأنشأت مبانٍ سكنيّة لذوي الدّخل المحدود.

ممتلكات الأبرشيّات والرهبانيّات

١،٨٣٤

إيجارات زراعيّة

٣٠٩

إيجارات صناعيّة

١،١٠٩

إيجارات متنوّعة

٢٢٨

عقارات لخدمات اجتماعيّة متنوّعة

٣،٤٨٠ قطعة أرض

مجموع العقارات

 

072، 4 شقّة سكنيّة

ابنية سكنيّة                                    

 

 *   *   *

 

خامسًا، الموظّفون والمساعدات في الاديار والمطرانيّات المارونيّة

26. نستعرض في هذا القسم عدد الموظّفين أو العائلات التي تجد فرص عمل في الأديار والمطرانيّات المارونيّة، والمساعدات الماليّة التي تقدّمها للعائلات المحتاجة، والقيمة الماليّة للمساعدات العينيّة.

1- الأديار

٩

عدد الرهبانيّات المارونيّة

٦٧٣

عدد الموظّفين في الاديار

٧،١١٨،٢٠٠،٠٠٠ ل.ل.

مساعدات ماليّة سنويّة

٢،١٤٩،٠٠٠،٠٠٠ ل.ل.

مساعدات عينيّة سنويّة (*)

9،267،211،000 ل.ل.

مجموع المساعدات السنويّة

 

2- المطرانيّات

١٣

عدد الأبرشيّات المارونيّة في لبنان

١،٠٣٤

عدد الموظّفين في المطرانيّات والرعايا

١،١٢٧،٦٢٣،٠٠٠ ل.ل.

مساعدات مالية سنويّة تقدّمها المطرانيّات

١،٩١٤،٦١٥،٠٠٠ ل.ل.

مساعدات مالية سنويّة تقدّمها الرعايا

 

١٨٨،٥٠٠،٠٠٠ ل.ل.

مساعدات عينيّة سنويّة تقدّمها المطرانيّات(*)

١،٣٠٦،٧٠٠،٠٠٠ ل.ل.

مساعدات عينيّة سنويّة تقدّمها الرعايا بقيمة

4،537،438،000 ل.ل.

مجموع المساعدات السنويّة

 

سادسًا، خدمة المحبّة في البطريركيّة المارونيّة وتنظيمها

27. تتوزّع خدمة المحبّة في الكرسي البطريركي على عدّة قطاعات:

1. داخل الكرسي البطريركي في بكركي والديمان والدوائر: موظّفون ومساعدات

 

67

عدد الموظَّفين في الداخل

 

110، 1

عدد عقود استثمار الممتلكات والأوقاف

التابعة لإدارة البطريركيّة

 

000، 000، 317

المساعدات الماليّة لسنة 2016 للعائلات المعوزة

 

2. نشاطات اجتماعيّة ومؤسّسات

28. أنشأت البطريركيّة مع الأبرشيّات والرهبانيّات المارونيّة سنة 1987 “الصندوق الاجتماعي الماروني” الذي أصبح اسمه اليوم “المؤسّسة الاجتماعيّة المارونيّة”. قامت هذه المؤسّسة بإنشاء مساكن لذوي الدخل المحدود، حتى بلغت 2030 شقّة سكنيّة في كلٍّ من زوق مصبح، بعبدات، بليبل، القريّه (شرق صيدا)، أرده (زغرتا)، زحله.

توفّر في دائرتها فرص عمل لستّة موظّفين، فضلًا عن الشّركات والمهندسين والمقاولين والعمّال المعنيِّين بتنفيذ هذه الأبنية السكنيّة.

29. أنشئ في رحاب المؤسّسة الاجتماعيّة المارونيّة هذه، سنة 1992 الصندوق التعاضدي الاجتماعي الصحّي، كمؤسّسة استشفائيّة وصحّية لا تتوخّى الربح. وتهدف إلى التعاضد بين أبناء الكنيسة، وإلى مشاركتهم في تحمّل أعباء الطبابة، والوقوف إلى جانبهم عبر التقديمات العائليّة والمدرسيّة وسواها.

من أهمّ ميزاته:

- لا سقف لعمر المنتسب إلى الصندوق

- مساهمة في كلفة الأعضاء الاصطناعيّة

- تقديمات مدرسيّة وعائليّة، منح زواج، تعويض وفاة وغيره.

يبلغ عدد المنتسبين حاليًّا حوالي 000 ، 45 شخص يدفع الصندوق التعاضدي سنويًّا حوالي مليون ونصف دولار أميركي موزّعة كالتالي:

مساعدات عائليّة واجتماعيّة

00، 023، 776  دولار

مساعدات مدرسيّة

00، 000، 703  دولار

منحة زواج

00، 405، 78 دولار

مولود جديد

00، 872، 96 دولار

عدد الموظّفين

30

عدد المندوبين (بأجر نسبة مئوية)

60

 
30. في سنة 2014، أنشأت البطريركيّة “المركز الماروني للتوثيق والأبحاث”،غايته ثقافيّة علميّة متنوِّعة المجالات والأبعاد. تضع دراسات وتوثَّق معلومات في مختلف القطاعات، بُغية مساعدة الموارنة على التّعرّف إلى تاريخهم والتّعريف عنه وإغناء حاضرهم والتّخطيط لمستقبلهم، وتحقيق رسالتهم. ومن بين قطاعات الدّراسات والأبحاث ما يتعلّق بالشّؤون الإجتماعيّة والإنمائيّة والصّحيّة وفرص العمل.

يوفّر فرص عمل لخمسة عشر موظَّفًا.

31. وأنشأت البطريركيّة في سنة 2006 “المؤسّسة المارونيّة للإنتشار”، غايتها التّواصل مع الموارنة في بلدان الإنتشار، وتعزيز مشاعر الإنتماء والتعلّق بالتراث والجذور اللبنانيّة والمارونيّة، وتشجيع المنتشرين على تسجيل نفوسهم والحصول على الجنسيّة اللبنانيّة، والقادرين منهم على الإستثمار في لبنان للمشاركة في النّهوض الإقتصادي وحفظ اللبنانيّين في أرضهم.

تؤمّن المؤسّسة فرص عمل لأكثر من أربعين شخصًا في لبنان وفي بلاد الانتشاروهي تتكلّف برواتبهم الشهرية التي تصل إلى 70 ألف دولار (أي 840 ألف دولار).

32. وفي سنة 2015 أنشأت البطريركيّة “المؤسّسة البطريركيّة العالميّة للإنماء الشامل”، غايتها جمع المال اللّازم لتعزيز الوجود المسيحي في المناطق كافّة من خلال تحقيق مشاريع إنمائيّة وخلق فرص عمل.

توفّر فرص عمل في الإدارة لعشرة موظّفين.

 

3. مؤسّسات تابعة للبطريركيّة.

33. لا بدّ من أن نذكر مؤسّستَين كنسيَّتَين، لا لأنّهما معنيّتان مباشرةً بخدمة المحبّة، بل لأنّهما توفّران فرص عمل لإكليريكيِّين وعلمانيِّين وهما:

أ- الإكليريكيّة البطريركيّة في غزير التي تُعنى بتنشئة طلّاب الكهنوت والشّمامسة الذين بلغ عددهم في السّنة الماضية 150 إكليريكيًّا. وتوفّر فرص عمل لواحد وأربعين شخصًا. أمّا كلفة تعليم الطلّاب وتنشئتهم في الإكليريكية وكلّية اللّاهوت الحبريّة بجامعة الروح القدس-الكسليك بلغت في سنة 2016 مليار وثمانماية مليون ليرة لبنانيّة تتحمّلها البطريركيّة والأبرشيّات.

ب- المحكمة البطريركيّة الإستئنافيّة والمحكمة الإبتدائيّة المارونيّة الموحّدة.

توفّران فرص عمل لأربعة وستِّين شخصًا منهم 48 موظّفًا قضائيًّا و16 موظّفًا غير قضائي. وأمّنتا في العام الماضي حسومات من الرّسوم القضائيّة للمتقاضين غير القادرين، تُسمَّى “معونة قضائيّة” بقيمة 000،000، 317 ل.ل.

4. أبنية وعقارات للبطريركيّة في خدمة مؤسّسات إجتماعيّة وإنسانيّة وراعويّة

34. تضع البطريركيّة أبنية وعقارات في تصرّف مؤسّسات، لتحقّق فيها رسالتها وخدماتها الإنسانيّة والإجتماعيّة والرّاعويّة وهي التّالية:

أ- أبنية

1. راهبات القربان الأقدس المرسلات (بنات يتامى وحالات خاصّة) مدرسة عين ورقه، غوسطا.

2. كاريتاس لبنان، الكرسي البطريركي مار سركيس وباخوس في ريفون.

3. مؤسّسة سرديك CIRDiC(Centre International de Rencontre et de Dialogue Culturels)، دير مار جرجس، القليعات.

ب- عقارات

1. مؤسّسة مار مخايل (ميتم ودار للمسنِّين)، 789، 13 م م في سهيلة

2. مؤسّسة أمّ النور، 745، 13 م م في سهيلة

3. الحركة الرسوليّة المريميّة، 193، 6 م م في سهيلة

4. الكشّاف الماروني، 000، 1 م م في سهيلة

5. أُذكرني في ملكوتك، 326، 1 م م في سهيلة

6. رابطة المحبّة، 720، 3 م م في غوسطا

7. مؤسّسة Sesobel، 000، 6 م م في عينطورة

8. كاريتاس-صربا، 652 م م في صربا

9. مؤسّسة سَنَدي، 000 6 م م في صربا

10. لبناء مركز اتّحاد بلديّات قضاء بشرّي، 4000 م م في الديمان

11. وزارة الزراعة: لبناء مركز البحوث العلمي الزراعي، 2000 م م في الديمان.

 

5. تنسيق عمل المؤسّسات المارونيّة

35. أنشأنا سنة 2016 “مكتب تنسيق” يشمل المؤسّسات المارونيّة المرتبطة إداريًّا بالبطريركيّة وتلك غير المرتبطة بشكلٍ مباشر بها وهي التّالية:

1. المؤسّسة الاجتماعيّة المارونيّة

2. الصندوق التعاضدي الاجتماعي

3. المركز الماروني للتوثيق والأبحاث

4. المؤسّسة المارونيّة للانتشار

5. المؤسّسة البطريركيّة للإنماء الشامل

6. مكاتب الدائرة البطريركيّة

7. الرابطة المارونيّة

8. المجلس الماروني العام

9. الجمعيّة التعاونيّة للإنماء

10. مؤسّسة لابورا

11. إذاعة صوت المحبة

12. تيلي لوميار/نورسات

13. تلفزيون المحبة

14. رابطة قنوبين للرسالة والتراث

15. المركز الكاثوليكي للإعلام (*)

16. حركة الأرض

36. عيّنّا منسِّقًا، بالإتفاق مع هذه المؤسّسات، هو المهندس أنطون أزعور. فوضع دليلًا يعرّف بالتّفصيل بكلّ مؤسّسة: سنة تأسيسها، ورؤيتها، وأهدافها ومساحات عملها. ويتضمّن هذا الدّليل جدولًا يُبيِّن الأهداف المشتركة بين هذه المؤسّسات، لكي يُصار في ضوئها إلى تنسيق عملها، وتكامله، وإغنائه، من خلال إظهار وحدة الهدف، الذي هو “تعزيز الوجود المسيحي والدّور والحضور في لبنان” وارتباطه بوجوده المشرقي وفي بلدان الإنتشار، وتعدّدية الوسائل والسّبُل.

إنّ عمليّة التّنسيق ضروريّة، ولا غنى عنها، من أجل تنظيم خدمة المحبّة الإجتماعيّة بكلّ أبعادها.

*   *   *

__________________

* معلوم أنّ المركز الكاثوليكي للإعلام تابع مباشرة لمجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك في لبنان. لم نذكر رابطة كاريتاس-لبنان، لأنّ التنسيق لا يشملها، بل التعاون قائم معها لكونها الجهاز الاجتماعي الرسمي للكنيسة في لبنان، وتابعة لمجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك في لبنان.

____________

* المساعدات العينية تشمل: وجبات طعام أسبوعية، حصصًا غذائية، ملابس، أدوية، تأمين مازوت وسواها.

 

الفصل الثالث

الخطّة المستقبليّة لخدمة المحبّة

    أوّلًا، نظرة إلى الجذور

37. لقد تبيَّن من الفصلَين السابقَين أنّ كنيستنا جمعت دائمًا بين الخدمات الثلاث:الكرازة بكلام الله لتثقيف الإيمان وإنارة العقول، والاحتفال بالأسرار والأعمال اللّيتورجيّة لتقديس النفوس، وخدمة المحبّة لكي تتوفّر حياة كريمة لكلّ مستفيد منها. هكذا يشهد تاريخ كنيستنا منذ بداياتها إلى اليوم، انطلاقًا من مسيرة الكنيسة الأولى، كما يصفها كتاب أعمال الرسل، حيث “كان المؤمنون مواظبين على سماع الكلمة والصلاة وتقاسم خيراتهم، فلم يكن بينهم محتاج، وكانوا قلبًا واحدًا ونفسًا واحدة[22].

38. يستعرض المجمع البطريركي الماروني، في نصِّه العشرين “الكنيسة المارونية والشَّأن الاجتماعي” كيف كانت تُمارس خدمة المحبّة الاجتماعيّة لدى الجماعة المارونيّة، من أجل ضمانة بقائهم بتأمين حاجتَين: أرض يستثمرونها، وبيت تتحقّق فيه الحياة العائليّة(الفقرة 3). فيضيف النصّ المذكور كيف كانوا يعيشون، في القرون الوسطى، جماعة متماسكة متحلّقة حول كنيستها بقيادة بطريرك هو الرئيس الديني والزمني الذي يشارك شعبه حياتهم بحلوها ومرِّها وزراعتهم، متَّكلين على عناية الله وشفاعة السيّدة العذراء. من أحداث تلك العصور حادثة سنة 1475: فعندما تعرّض الجبليّون الموارنة الفقراء للضرب والإهانة والغزو من السّلطة المملوكيّة الحاكمة، لعدم قدرتهم على دفع ضرائب مفروضة عليهم، عمد البطريرك، وكان آنذاك يوسف بطرس بن يعقوب (1468-1492)، إلى ترك كلّ عائدات كنائسه لدفع هذه الضرائب الظالمة وحماية شعبه من جور الطغاة[23].

39. وفي العصور الحديثة، وطيلة العهد العثماني، واصلت الكنيسة المارونيّة، ببطاركتها وإكليروسها عامّة، الوقوف إلى جانب الرعيّة، يعيشون حياتها من دون طبقيّة ويدافعون عن أفرادها حيال أيّ اعتداء واضطهاد.

وامتدّ الانتشار الماروني، منذ أواسط القرن السادس عشر، إلى مختلف المناطق اللبنانيّة بمواكبة مباشرة سياسيًّا واجتماعيًّا من قِبل البطريركيّة والرهبانيّات المنظّمة الناشئة حديثًا منذ عهد البطريرك المكرَّم اسطفان الدويهي. فكانت نهضة اقتصاديّة وديموغرافيّة فيه.

40. وفي القرنَين الثامن عشر والتاسع عشر كانت النهضة الثقافيّة بفضل خرِّيجي مدرسة روما التي تأسّست سنة 1584، والإرساليّات الغربيّة اللاتينيّة وإنشائها المدارس، وتوصية المجمع اللّبناني المنعقد في دير سيّدة اللويزه-زوق مصبح سنة 1736 بتعميم إلزاميّة التعليم للجميع، للقادرين كما لليتامى والفقراء، للصبيان وللبنات. فراحت المدرسة تتطوّر من “مدرسة تحت السنديانة” مع خوري الرعيّة، إلى مدرسة الدَّير مع الرهبان، فإلى الصروح والأبنية المدرسيّة مثل مدرسة عين ورقة 1789، ومدرسة مار يوحنا مارون كفرحي 1812، ومدرسة الروميّه (القليعات) 1817، ومدرسة مار عبدا هرهريا 1830 (جديدة غزير)، ومدرسة الكريم جونيه 1872، ومدرسة الحكمة-بيروت 1875، ومدرسة مار يوسف قرنة شهوان 1884، فضلًا عن مدارس الأديار لتنشئة الرهبان والكهنة[24].

41. في العهد العثماني، وبفضل العلاقات مع اوروبا والعلم، نشأت الحركات الاجتماعيّة الإصلاحيّة المعروفة بالعامّيات (نسبة إلى العامّة)، التي نادت بأفكار جديدة محورها مبدأ جديد للسلطة يقوم على المساواة والصالح العام والحرية والمساواة وحقّ تقرير المصير. وذلك بمساندة الإكليروس الماروني.

وفي عهد المتصرفيّة، أصبحت الكنيسة المارونيّة المدافع الأساس عن أمور الناس، وكرّست في الحرب الكونيّة الأولى كلّ طاقاتها السياسيّة والاقتصاديّة لحماية مَن تمكّنت من حمايتهم، ولإشباع مَن قدرت على إشباعهم.

42. وإثر تلك الحرب، حملت بقيادة البطريرك خادم الله الياس الحويّك لواء تظهير الكيان اللبناني وتثبيته بإعلان دولة لبنان الكبير في أوّل ايلول 1920. وفي عهد الانتداب الفرنسي، أُنشئت مؤسّسات الخدمة الاجتماعيّة من مستشفيات ومآوي عجزة وسواها. وبعد نهايته قام البطريرك انطون عريضه بحملة المطالب الاجتماعيّة اللبنانيّة، حاملًا راية الدفاع عن المظلومين من قِبل الهيمنة الاقتصاديّة والاحتكار. فتحوّلت بكركي معه إلى محجَّة للمسلمين كما للمسيحيِّين، وساحةً تلتقي فيها المصالح الشعبيّة بالمطالب الكيانيّة الاستقلاليّة[25].

43. وفي القرن العشرين والحالي، رأت الكنيسة حاجةً ماسّة إلى إنشاء المزيد من المدارس من أجل تربية أجيالنا المتكاثرة وتأمين جودة التعليم والتربية الروحيّة والأخلاقيّة والوطنيّة. فإذا ألقينا نظرة على دليل الكنيسة المارونيّة الذي هيّأه مكتب شؤون الانتشار في الدائرة البطريركيّة المارونيّة، وأصدرناه بتاريخ 22 كانون الثاني 2015، نجد أنّ عدد المدارس الابتدائيّة والتكميليّة والثانويّة، المجّانية منها والشبه مجاّنية، التقنيّة والمهنيّة بمختلف مراحلها، التابعة للأبرشيّات والرهبانيّات الرجاليّة والنسائيّة في لبنان يبلغ مئة وثلاثًا وعشرين مدرسة (123 مدرسة)، منها 26 تابعة للأبرشيّات و40 للرهبانيّات الرجاليّة، و57 للرهبانيّات النسائيّة. هذا بالإضافة إلى عشرين مدرسة خارج لبنان: في الأرجنتين والأوروغواي وكندا وفرنسا ومصر وجنوبي أفريقيا وغانا وبوركينا وأوستراليا[26]، فضلًا عن المدارس التابعة لأبرشيّات ورهبانيّات من كنائس أخرى. وكلّها تنتمي إلى مجموعة المدارس الكاثوليكيّة.

44. ورأت الكنيسة المارونيّة حاجة إلى جامعات ومعاهد لتأمين الاختصاص الجامعي والعالي. فأسّست أبرشيّة بيروت جامعة الحكمة؛ والرهبانيّة اللبنانيّة المارونيّة جامعة الروح القدس الكسليك مع فروعها الثلاثة في رميش وزحله وشكا؛ والرهبانيّة المارونيّة المريميّة جامعة سيّدة اللويزه-زوق مصبح مع فرعَين في دير القمر وبرسا (الشمال)؛ والرهبانية الأنطونية الجامعة الأنطونية -الحدث مع فرعيها في رياق (البقاع) ومجدليا (زغرتا)، وجمعيّة راهبات العائلة المقدّسة المارونيّات جامعة العائلة المقدّسة ومعهد العلوم التقنيّة (البترون)، ومعهد التمريض والعلوم التقنيّة (بيت الشعار-المتن). هذه الجامعات الخمس تشكِّل مع جامعة القدّيس يوسف (بيروت) الجامعات الكاثوليكيّة الستّ، فضلًا عن كلّية اللّاهوت التابعة لجمعيّة الآباء البولسيّين.

45. ودخلت كنيستنا عالم الاستشفاء والتمريض، وهي من الحاجات الماسّة الكبرى، نظرًا لضآلة وضعف المستشفيات الحكوميّة. فأسّست مستشفيات ومراكز طبّية، يبلغ عددها في لبنان اثنَي عشر مع مستشفيَين خارج البلاد. كما أنشأت وتؤمِّن الخدمة في خمسة وعشرين مستوصفًا. وكلّها تابعة لأبرشيّات ورهبانيّات[27]. هذا فضلًا عن تلك التابعة لرهبانيّات أخرى من الكنيسة اللاتينيّة وسواها، والتي تؤدِّي خدمات طبِّية رفيعة المستوى.

46. تجدر الإشارة مع التنويه بالمؤسّسات الخاصّة والمبادرات التي قام بها أبناء كنيستنا على مستوى كلّ هذه المؤسّسات ومثيلاتها، بالإضافة إلى دعمهم المالي للمؤسّسات الكنسيّة.

 

ثانيًا، الانطلاق نحو المستقبل

47. لقد عدنا إلى صفحات من الماضي والحاضر، لكي نعي من جديد أنّ المحبّة الإجتماعيّة هي من صلب رسالة الكنيسة إلى جانب الكرازة بالإنجيل، والإحتفال باسرار الخلاص كينبوع النّعم الإلهيّة. وتدعونا هذه الصفحات إلى كتابة صفحات جديدة في تاريخ المحبّة الاجتماعيّة تكون بمستوى الحاجات الجديدة المتزايدة. لقد رسم البابا القدّيس يوحنا بولس الثاني في الفصل السادس من الإرشاد الرسولي “رجاء جديد للبنان” الذي أصدره ووقّعه في بيروت بتاريخ 10 أيار 1997، في أعقاب جمعيّة السينودس الخاصّة بلبنان، الخطّ الذي ينبغي على كنائسنا الكاثوليكيّة أن تتبعه على مستوى الخدمة الاجتماعيّة، في ما يختصّ بمواجهة الأزمة الاجتماعيّة-الاقتصاديّة، وإدارة أملاك الكنيسة، والتعليم الأكاديمي والجامعي، ودور وسائل الإعلام، والالتزام السياسي، وحقوق الإنسان[28].

48. عالج المجمع البطريركي الماروني المنعقد ما بين 2003 و2006، كلّ هذه المواضيع وسواها، وهي في معظمها مطروحة في الإرشاد الرسولي المذكور، وراحت كنيستنا المارونيّة تعمل، في خدمة المحبّة، انطلاقًا من المبادئ الأساسيّة في تعليم الكنيسة الإجتماعي، وهي، كما يختصرها لنا النّصّ المجمعي “الكنيسة المارونيّة والشَّأن الإجتماعي”، التالية[29]:

أ- التضامن الذي يعني العزم الدّائم على العمل من أجل الخير العام، والشّعور بانّنا جميعنا مسؤولون حقًّا عن الجميع.

ب- العدالة بمفهومها المزدوج: العدالة الطّبيعيّة وهي من صنع الله، وتعني المساواة في الكرامة الإنسانيّة، والتّمتّع بالحقوق الأساسيّة. والعدالة الإجتماعيّة وهي من صنع البشر: الشّخص الفرد والجماعة والدّولة، بحيث يُعطى كلّ واحدٍ حقّه في عيش ٍ كريم، لقاء ما يؤدِّي من واجبات.

ج- التّرقِّي الذي يشمل الشّخص البشري والمجتمع، ويرتكز على الإنماء الإقتصادي والإجتماعي  الشّامل.

49. وتواجه كنيستنا، عبر خدمة المحبّة الاجتماعيّة، ما خلّفت المتغيّرات والإكتشافات التقنيّة المعاصرة وزيول الحرب اللّبنانيّة، بالإضافة إلى تلك الدّائرة اليوم في منطقة الشّرق الأوسط، من حالات أخلاقيّة ونفسيّة وماديّة. فسيطرت “الذهنيّة الماديّة” و”عقليّة الإستهلاك” و”السّعي إلى امتلاك المال والسّلع وتكديسها”، وكأنّها هدف بحدّ ذاتها، و”المتعة الفوريّة“. وكانت الحرب اللبنانيّة التي هجَّرت مئات الألوف من الأشخاص والعائلات، وزادت عدد الأيتام والمعوَّقين وذوي الإحتياجات الخاصّة، وعرّضت الشباب والأجيال الطّالعة لمخاطر الإنحرافات كالمخدّرات والبغاء والعنف والتفلّت الأخلاقي، وفقدان القِيَم الروحيّة.

كلّ هذه المشاكل والتحدّيات مطروحة اليوم على الكنيسة عبر مؤسّساتها وعملها الروحي والراعوي والاجتماعي. فماديًّا، هي مدعوّة لمضاعفة قطاعات المساعدات المذكورة في الفصل الثاني من هذه الرّسالة. ومعنويًّا وروحيًّا مدعوّة للوقوف إلى جانب شبابها وشعبها للدفاع عن حقوقهم، والتضامن معهم، ومساعدتهم، وتحريرهم، وزرع الرّجاء في قلوبهم وإعطاء معنى لحياتهم[30].

50. وكنيستنا، عبر هذه الخدمة، تضع نُصب عينَيها مساعدة أبنائها وبناتها على أنتتوفَّر لهم حقوقهم الأساسيّة، كما يوصي المجمع البطريركي الماروني في نصِّه العشرين “الكنيسة المارونيّة والشّأن الإجتماعي”. ومن أهمّ هذه الحقوق[31]:

أ- الحقّ في إنشاء عائلة مكتفية وقادرة على الإنجاب والتّربية. والعمل على أرض الوطن.

ب- الحقّ في سكن لائق يؤمِّن الإطار الطّبيعي الملائم لنموّ الإنسان والدفء العائلي والإستقرار.

ج- الحقّ في العمل كضرورة معيشيّة وإقتصاديّة وإجتماعيّة. بالعمل يُحقّق كلّ شخص ذاته ويحفِّز مواهبه واختصاصه، ويخلق مجتمعًا إنتاجيًّا في مختلف قطاعات الإنتاج.

د- الحقّ في الصحّة والطّبابة، وهو حقّ مطلق يمكِّن الإنسان من تجنّب المرض والألم، ومن الإستشفاء عندما يطرأ مرض، فيعيش في اطمئنان ويحتفظ بقواه للقيام بالعمل والنشاط.

ه- الحقّ في التعليم والثّقافة وهما إرثنا الطّبيعي المشترك. فقد حبا الله الإنسان اللّبناني موهبة خاصّة في هذا الحقل. ونستطيع القول إنّ هذه الموهبة العلميّة هي الثّروة الطبيعيّة التي خصّ بها الله أرضنا اللبنانيّة.

51. مع العمل الدّؤوب على تأمين هذه الحقوق، ترسم كنيستنا المارونيّة خطّ عملها الإجتماعي، على ثلاثة مستويات[32]:

أ – على مستوى القِيَم والأخلاق، تعمل بسلطتها الروحيّة والمعنويّة على تعزيز القِيَم الأساسيّة الروحيّة والأخلاقيّة والإجتماعيّة وحمايتها، وقد التزمت أن تكون “كنيسة الكلمة والحقيقة والنّبوءة” لا “كنيسة الصّمت والمساومة”.

ب- على مستوى الأشخاص، تعمل على ترسيخ الفضائل المسيحيّة والأخلاق الإنسانيّة كالتجرّد والتواضع والقناعة وروح الخدمة والتحرّر من مغريات العالم.

ج- على مستوى المؤسّسات الإجتماعيّة، تعمل كنيستنا على إذكاء روح الخدمة المتجرّدة لدى العاملين فيها وتنشئتهم، بحيث لا تكون مؤسّساتنا مبنيَّة على الرّبح والخسارة، بل على “برنامج المسيح- برنامج السّامري الرّحيم- برنامج يسوع المسيح، وهو “قلب يرى” أين هو الحبّ الضّروري، ويعمل بموجبه”[33].

ثالثًا، تنظيم خدمة المحبّة الاجتماعيّة

52. على الكنيسة باعتبارها منظّمة، عليها أن تمارس المحبّة كخدمة إجتماعيّة منظّمة من أجل بلوغ شموليّتها. لذا، عملاً بتوصية المجمع البطريركي الماروني “بإنشاء مؤسّسة لدعم العمل الإجتماعي“، فقد أضفنا إلى “المؤسّسة الإجتماعيّة المارونيّة” قطاع العمل الإنمائي، فضلًا عن “قطاعَي السّكن” و”صندوق التّعاضد الصّحي”؛ وأنشأنا “المؤسّسة البطريركيّة العالميّة للإنماء الشّامل“، من أجل خدمة منظّمة. تجدر الإشارة إلى ان التعاون قائم مع “المركز الماروني للتوثيق والأبحاث”، ومع رابطة كاريتاس-لبنان، المنتشرة على كلّ الأراضي اللّبنانيّة، ومع سواها من المؤسّسات الإجتماعيّة غير الحكومية، وتلك التابعة للدولة.

53. ومن الواجب أن يتمّ تنظيم خدمة المحبّة على مستوى كلّ أبرشيّة ككنيسة محليّة. “فالكنيسة هي أسرة الله في العالم. فيجب ألّا يتألّم فيها أحد من نقص في ما هو ضروري. وفوق ذلك إنّ المحبّة تتجاوز حدود الكنيسة، لتشمل كلّ من هو في عوز، ونلتقيه صدفة، كما جاء في مَثَل السّامري الرّحيم” (راجع لو10: 31)[34].

ولهذه الغاية، يجب إنشاء لجنة لخدمة المحبة في الرعايا والأبرشيّات والرهبانيّات، بحيث تُقتطع نسبة مئويّة محدَّدة من الأوقاف ومداخيل المطرانيّة والرهبانيّة للقيام بمساعدات منظَّمة للمعوزين، تكون مسؤولة عنها مساعِدة إجتماعيّة ذات خبرة وشعور إنساني. وهذا ما فعلناه في الكرسي البطريركي.

أمّا من أجل تنظيم المحبة الاجتماعية وتنسيقها في كنيستنا، تنشئ في الدائرة البطريركية مكتب تنسيق، يعمل مع الأبرشيات والرهبانيات والأمانة العامّة للمدارس الكاثوليكية، والجامعات، على جمع معطيات خدمة المحبة فيها، وإصدار نشرة سنوية بشأنها، تعزيزًا لهذه الخدمة وتنويرًا للرأي العام.

54.  بالنسبة إلى خدمة المحبة في المدارس، لا بدّ من إيلاء إهتمام خاصّ بتوصية المجمع البطريركي الماروني[35]، الدّاعية إلى:

1- تقديم المساعدة الماليّة للتلامذة غير القادرين، بحيث لا يقطع أي طالب تحصيله العلمي لأسباب ماديّة أو ماليّة. ونظرًا لاتّساع رقعة الحاجات وحالة الفقر المتزايدة، يجب إنشاء صندوق في المدارس لجمع التبرّعات المخصّصة لمساعدة  هؤلاء الطلّاب. إنّ المدارس ملتزمة بهذه التوصية، وحتى فوق طاقتها، كما رأينا في الفصل الثاني من هذه الرسالة. فالحاجات المتزايدة تقتضي المزيد من المساعدة.

2- تعليم الولد الرابع في العائلة المارونيّة مجانًا في المدرسة المارونيّة الواحدة.

3- توجيه الطلّاب إلى التّعليم التّقني والمهني الذي يوفّر مجالات عمل يتطلّبها السّوق وفرص عمل ذات مردود مرموق.

4- مطالبة الدّولة، القيّمة على الخير العام، الإلتزام بمبدأ عدالة التّوزيع، ودعم التعليم ماليًّا في قطاعه الخاصّ، كما في قطاعه العام، وتنفيذ إلزامية التعليم الأساسي.

5- دعم المدرسة الرسميّة بالتّعاون مع وزارة التربية الوطنيّة والمجتمع والأهل، لتستوعب المزيد من الطلّاب، وتوفّر لهم جودة التّعليم مع أجواء تربويّة سليمة.

إنّ التوصية الأولى والثانية أعلاه تطبَّق على طلّاب التّعليم العالي والجامعي.

55. بالنسبة إلى فرص العمل، إنّ كنيستنا تعمل جاهدةً على تأمين أكثر عدد ممكن من فرص العمل في دوائرها الكنسيّة وأديارها، وفي مؤسّساتها التربويّة والإستشفائيّة والإجتماعيّة. ولهذه الغاية، ومن أجل خدمة أوفر، وتحريك العجلة الإقتصاديّة، تهتمّ أكثر فأكثر بتوسيع أبنيتها وقطاعات العمل فيها.

كما أنّها تفسح في المجال واسعًا لاستثمار ممتلكاتها وأوقافها، وفقاً للقوانين العامّة في الكنيسة، بحيث يستفيد منه المزيد من العائلات.

56. غير أنّنا نطالب الدولة القيام بمسؤوليّاتها: ضبط الفساد والرشوة وسرقة المال العامّ وهدره؛ القيام بالإصلاح الاقتصادي في كلّ قطاعاته والنهوض به، العمل على إخراج المواطنين من حالة الفقر؛ إعادة بناء الطبقة المتوسطة؛ إيفاء ما عليها من مستحقّات ماليّة للمستشفيات الخاصّة والمدارس المجّانية والمراكز الاجتماعيّة المتخصّصة، سنة بعد سنة.

57. ولا بدّ من أن نرفع الشكر لله على ما تقدّم مؤسّسات الكنيسة من مساعدات للعائلات، وخدمات اجتماعيّة وتربويّة واستشفائيّة، وفرص عمل. ونذكر بالخير جميع المبادرات الخاصّة المتنوّعة التي يقوم بها أفراد وجماعات ومؤسّسات، على كلّ هذه المستويات.

ونرى من المفيد أن نعرض جدولًا يلخّص خدمة المحبّة الاجتماعيّة في الكنيسة:

110، 1

العائلات المستثمرة أملاك الكنيسة

574، 26

فرص عمل

٤٩٨،٦١٤

الأشخاص المستفيدون من الخدمات التعليميّة والصحيّة

٢٣٣،٩٢٦

المستفيدون من مراكز العمل الاجتماعي

732،543

مجموع المستفيدين سنويًّا

000، 649، 121، 14 ل.ل.

مساعدات ماديّة وعينيّة في البطريركية والابرشيات والرهبانيات

000، 568، 977، 107 ل.ل.

حسومات على الأقساط في المدارس والجامعات وفي كلفة الاستشفاء

122،695،720،000 ل.ل.

مجموع المساعدات السنويّة

٦٨،٢٥١،١٢٥،٠٠٠ ل.ل.

أقساط مدرسية غير مسدّدة ومتراكمة

 

الخاتمة

58. رأينا من الواجب إصدار هذه الرسالة بموضوع “خدمة المحبّة الاجتماعيّة”للتذكير بأنّها من صميم رسالة الكنيسة بإكليروسها وشعبها، بأفرادها وجماعاتها، بإمكانيّاتها ومؤسّساتها.

فمشروع الله، في الكتب المقدّسة وبحسب تعليم الكنيسة الاجتماعي، هو أن يحيا الإنسان بفرح واكتفاء وسعادة. لذلك، فالله كريم، وقد وضع لكلّ إنسان رزقه في الأرض. وبما أنّ كلّ إنسان هو “إبن لله”، و”مخلوق على صورته ومثاله”(تك1: 27)؛ فوضع الله في الأرض الرزق الكافي لكلّ إنسان يولد في الدنيا. هذا عدلٌ وَعَدَنا به الله إذ علّمنا أن نقول: “أعطنا خبزنا كفاف يومنا” (متى 6: 11). بهذا التعليم كشف لنا إرادته في أن يكون لكلّ إنسان ما يكفيه من خيرات الارض.

نفهم من ذلك أنّ الفقر أمر غريب ومغاير لمقاصد الله، وحالة تُحزن قلبه الأبوي وتناقض مخطّطاته. يرى الكتاب المقدّس أنّ السبب الأوّل والأساسي للفقر في الدنيا هو طمع الأغنياء وجشعهم في تجميع ثرواتهم على حساب لقمة الفقير واليتيم والأرملة. ولطالما صرخ الأنبياء بوجه أغنياء الأرض بأنّ أموالهم دليل على خطاياهم وهي نار تحرقهم في مضاجعم (عا 5). هل الله ضدّ الغنى؟ الله يريدنا سعداء، ويسعد لرؤيتنا نحيا برخاء. ولكنّ الأنبياء شدّدوا على أنّ الغنى الفاحش لا يأتي من سبل الله القويمة. فإن كان الإنسان يأكل خبزه بعرق جبينه (تك 3: 19) فمن المستحيل أن يتمكَّن من أن يجمع ثروات طائلة “بعرق الجبين”. إذًا، مَن يكدّس الأموال والثروات إنّما يحرم الفقير نصيبه من الرزق ويتسبب بجوعه وعوزه. فخيرات الأرض معدّة من الله لكفاية جميع أبنائه.

59. وإن كنّا ذكرنا بالتفصيل والأرقام أعمال الكنيسة ومؤسّساتها في خدمة المحبّة، بعد أن جمعنا معطياتها من مصادرها، فلكي تضاعف الكنيسة، بكلّ أبنائها وبناتها ومؤسّساتها، خدمة المحبّة لشعبنا الذي يرزح تحت وطأة الفقر، مدركة أنّ الله هو مصدر كلّ جودة، وأنّه هو الذي يفتح باب الخير أمامها، لتظلّ علامة رجاء لكلّ إنسان.

وإذ تفعل ذلك، فهي بعيدة كلّ البعد عن التباهي، بل ترفع الشكر لله الذي هو المعطي والمحسن والمدبِّر لكلّ شيء. وتبقى نُصب عينَيها القاعدةُ التي وضعها لها الربّ يسوع: “وأنت متى تصدّقتَ، فلا تعرف شمالك ما تصنعُ يمينك” (متى 6: 3).

أمّا عمل الخير فيبقى بنظر يسوع، وينبغي أن يكون بنظر الكنيسة أيضًا، بإكليروسها وشعبها، واجبًا لا تُمدح عليه، كما يقول الربّ يسوع: “فهل يُشكر الخادم لأنّه فعل ما أُمر به؟ كذلك أنتم ايضًا، إذا فعلتُم كلّ ما أُمرتم به، قولوا: نحن خدّام بطّالون لم نفعل إلّا ما كان يجب علينا فعله” (لو17: 9-10).

60. في ضوء كلام الربّ، نضع بين أيديكم هذه الرسالة، لتكون برنامج عمل لنا جميعًا خلال هذه السنة، بحيث نركِّز خدمة المحبّة الاجتماعيّة الموكولة إلينا من المسيح كشهادة لمحبة الله. ونفعل ذلك ملتمسين شفاعة أمّنا مريم العذراء، أمّ المحبة، وأبينا القدّيس مارون، ومار يوحنا مارون، والقدّيسين الموارنة.

عن كرسينا في بكركي في 25 أذار 2017.

عيد بشارة العذراء مريم.

+ الكردينال بشاره بطرس الراعي

                                                                             

                                                         بطريرك أنطاكيه وسائر المشرق

المحتوى

المقدمة

 

الفصل الأوّل

خدمة المحبة ورحمة الله والكرازة بالإنجيل

أوّلًا، تعليم الكنيسة

ثانيًا، التناقضات ومجابهة الكنيسة لها

ثالثًا، تحديات خطيرة

 

الفصل الثاني

النشاطات الاجتماعية في مؤسسات الكنيسة المارونية

أوّلًا، منطلقات رسالة الكنيسة الإجتماعيّة

ثانيًا، مؤسّسات الكنيسة المارونية، التربوية والصحية

ثالثًا، مؤسّسات اجتماعيّة مارونيّة أخرى

رابعًا، استثمار أملاك الكنيسة وأوقافها

خامسًا، الموظّفون والمساعدات في الأديار والمطرانيّات المارونيّة

سادسًا، خدمة المحبّة في البطريركيّة المارونيّة وتنظيمها

ا

لفصل الثالث

الخطّة المستقبليّة لخدمة المحبّة

أوّلًا، نظرة إلى الجذور

ثانيًا، الانطلاق نحو المستقبل

ثالثًا، تنظيم خدمة المحبّة الاجتماعيّة

 

الخاتمة


[1] 1يو4: 16؛ أفسس 2: 4

[2]الله محبّة، 25

[3]راجع “وجه الرحمة”، 15.

[4]راجع “فرح الإنجيل”، 178

[5]راجع افسس1: 10

[6] راجع  مر16: 15

[7]راجع “فرح الإنجيل” 180 و181

[8]راجع متى25: 35-36.

[9]وجه الرحمة، 15.

[10]المرجع نفسه.

[11]راجع فرح الإنجيل، 53

[12]راجع تك 32: 1-35

[13]راجع فرح الإنجيل، 15

[14]المرجع نفسه، 57؛ البابا يوحنا بولس الثاني: الاهتمام بالشَّأن الاجتماعي، 38.

[15]المرجع نفسه، 60.

[16]راجع فرح الإنجيل، 61-66؛ مجلس بطاركة الشَّرق الكاثوليك: الرسالة الراعوية الثامنة: “العائلة مسؤوليّة الكنيسة والدولة” (2005)، ص5-6.

[17] الكنيسة في الم اليوم، 42.

[18]رجاء جديد للبنانن 19

[19]الكنيسة في عالم اليوم، 40 و42.

[20]البابا يوحنا بولس الثاني: فادي الإنسان، 14.

[21]مجموعة قوانين الكنائس الشَّرقية، القانون 1007.

[22]راجع أعمال الرسل 2: 42 و44؛ 4: 32.

[23]الكنيسة المارونية والشَّأن الاجتماعي، الفقرات 4-7.

[24]المجمع البطريركي الماروني، الكنيسة المارونية والتربية: في التعليم العام والتقني، الفقرات 6-8.

[25]الكنيسة المارونية والشَّأن الاجتماعي، الفقرات 10-14.

[26]راجع دليل الكنيسة المارونية (2015)، صفحة 656-676.

[27]راجع الدليل، صفحة 686-689.

[28] رجاء جديد للبنان، الفقرات 100-116

[29] راجع الكنيسة المارونية والشَّأن الاجتماعي، الفقرات 22-24

[30] الكنيسة المارونية والشَّأن الإجتماعي ، الفقرات 16-19.

[31] المرجع نفسه، الفقرات 28-37

[32] راجع الكنيسة المارونية والشَّأن الإجتماعي، الفقرات 39-42.

[33] البابا بندكتوس السادس عشر: الله محبّة، 31، ب.

[34] الله محبّة، 25، ب.

[35] النص السادس عشر: الكنيسة المارونية والتربية، في التعليم العام والتقني، راجع التوصيات: 6 و8 و 9 و10.