EN | FR

مجلس البطاركة والاساقفة الكاثوليك في لبنان
اللجنة الأسقفية لوسائل الإعلام في لبنان
المركز الكاثوليكي للإعلام في لبنان

كلمة السيد روجيه باخوس مؤسّس جماعة الغوص في العمق حول ندوة "طاعة مريم" في المركز الكاثوليكي للإعلام

 

كلمة السيد روجيه باخوس

مؤسّس جماعة الغوص في العمق

حول ندوة "طاعة مريم"

في المركز الكاثوليكي للإعلام 8 حزيران 2017

 

طاعة مريم الى العمق

في بداية الزّمن، صعقت البشريّة بعصيان حوّاء الأولى للإرادة الإلهيّة،

وفي ملء الزمن كانت الخليقة تتمخّض وتتألّم، حتى شفيت بطاعة حوّاء الجديدة "مريم البريئة من الدّنس"، التي لامست طاعَتُها أعماق الله،

 فخرجت من أحشائه "الكلمة" التي تجسّدت في أحشاء مريم البتول.

و قبل الحديث عن طاعة مريم،

لا بد من التطرق الى المسبّبات والنتائج التي أورثتنا إيّاها حواء القديمة بعصيانها،

 فكان الجواب المباشر على ذلك بأن حوّاء الجديدة، أمنا مريم، فاضت نعمةً بطاعتها و محت آثار تمرّد حوّاء الأولى على المشيئة الإلهيّة،

 فأضحت مسيرة مريم بدلاً من أن تكون طاعةً أن تدعى مشيئة الآب.

أقصد بذلك أن مريم بذاتها هي مشيئة الآب.

في محاضرتي هذه اليوم، سأتكلّم عن مسيرة الطاعة التي عاشتها مريم غائصة إلى العمق.

إن حياة  مريم العذراء عابقة بأفعال طاعة بطوليّة، سكرى بمشروع تتميم مشيئة الآب.

أوّلاً، لما قيل في ملء الزمن أرسل الله ابنه مولوداً من عذراء،

 أي لمّا حان الوقت المنتظر للأجيال كلّها: هذا هو ملء الزّمن الذي وجدت فيه فتاةٌ عذراءٌ استطاعت أن تحمل المسيح و تحمل المجد.

فهي التي تنتظرها البشريّة جمعاء والتي تحوي في كينونتها طهراً تواضعاً وطاعة،

 حتى استحقّت أن تكون "الممتلئة من النعم"، انها المباركة بين كلّ النساء، إنها  العذراء مريم.

هذا الملء هو ملء لقاء مشروع طاعة الآب، أي الإبن، بطاعة الإنسان، أي مريم.

فلا يمكن للطّاعة الالهيّة أن تزور أرضنا، إلّا إذا أوجدت آداة طائعة، لا تقل في مسيرتها وقرارها عن فردوس طاعة الله.

أضف الى ذلك، بأن الملء هو فيض طاعة على عصيان وحياة على موت، وولادة على الفناء وآمة على متمرّدة.

ثانياً، في بداية مسيرتها في الهيكل، كما يخبرنا التقليد،

 كان يدور في كيان مريم عشقها لعيش البتوليّة المكرّسة لله،

 فكانت تضع هذا القرار نصب عيناها لتعيشه بأمانة و ثبات أمام الله.

و لكن عندما ظهر لها الملاك جبرائيل و دعاها لتحمل المخلّص الى العالم؛ لم تتردّد لحظة بل كانت طائعة لمشروع الله الخلاصي

 وتخلّت جذريّاً عن مشروعها الخاص.

 لكن المكافأة الكبرى كانت أن ظلّت مريم بتولاً قبل الميلاد فيه وبعده بنعمة خاصّة،

هي ثمرة طاعتها للآب السماوي.

أضف الى ما سبق حدث بيبلي آخر،

هو مشهد ترائي  الملاك ليوسف للهرب الى مصر.

 والسؤال يطرح هنا،

 لماذا لم يكشف الملاك هذا السر لمريم بل أوحاه ليوسف

بالرغم من ان مريم هي المسؤول المباشر عن احتضان ابن الله؟

ان هذا الأمر اعطى للعذراء مريم المجيدة

  الفرصة الصارخة،  لكي تمارس أفعال الطاعة لله عبر القديس يوسف.

 هي التي كانت كلية الاستعداد لها.

ثالثاً، وبنوع فائق، أظهرت هذه الأم الإلهية طاعةً كلية السمو وتكميلاً لارادة الله.

هي قدمت أبنها بخضوع تام

 ضحيةً للموت على خشبة الصليب،  من أجل خلاص العالم بثبات وبشجاعةٍ فريدةٍ،

 حتى أنها كانت مستعدةً، لتتميم المشيئة الإلهية واطاعةً المراسيم الأزلية،

 لأن تصلب بيديها أبنها الحبيب هذا ،

 لو أنه لم يوجد الصالبون.

 في هذا العمل أثبتت مريم طاعتها حتى الألم. 

لم تتكتف مريم بطاعتها للآب السماوي من خلال فعلها الأمومي فحسب،

بل تعدته  لتصل الى الفرح بسماع الكلمة والطاعة في تتميمها.

كما يخبرنا الإنجيلي لوقا،

في مشهد المرأة التي رفعت صوتها من الجمع،

وقالت له: "طوبى للبطن الذي حملك والثديين اللذين رضعتهما".

أجابها يسوع : "أنما الطوبى للذين يسمعون كلمة الله ويعملون بها".

 

في النهاية، نجد أن طاعة مريم هي تسليم كاملٌ و كلّي لمشيئة الله.

 هذا التسليم جلب الخلاص للعالم أجمع.

ان هذه الطاعة التي اتّسمت بها المسيرة المريميّة،

جعلت مريم تختار الله وتخدمه وتفضّله على كل شيء،

فكان شرفها الأكبر أن تدعى خادمة طائعة لمشروع الله الخلاصي في كلّ فترات حياتها،

 حتى أمكننا القول أن طاعة الله المتجسّدة بالإبن،

 احتجبت في أحشاء طاعة مريم.

إن يسوع، كأيقونة في عيش الطاعة للآب السماوي،

 لا يقدرنّ أن يتجسّد الّا في أحشاءٍ طائعة بالكامل للآب،

 فكانت هذه الأحشاء الفردوسيّة هي أحشاء مريم البتول.

و أخيراً إخوتي، تصوّروا هذا الكون

 لو أنّ مريم لم تكن طائعة لمشروع الخلاص حتّى العمق،

 ولم تقل نعم للدّعوة الاهيّة لها.

فلا يمكننا بعد ذلك الا ان نقول تجاه هذه الطاعة المريمية البطولية،

 شكرا يا مريم.