EN | FR

مجلس البطاركة والاساقفة الكاثوليك في لبنان
اللجنة الأسقفية لوسائل الإعلام في لبنان
المركز الكاثوليكي للإعلام في لبنان

لماذا تبقى سيادة لبنان ناقصة؟

الأب صلاح أبوجوده اليسوعي- أستاذ في جامعة القديس يوسف

  • 3 كانون الأول 2017 النهار

يُعرف الشرقُ الأوسط عمومًا بأممه السياديّة على الرغم من عدم حريّة شعوبها. أمّا لبنان فسيادته شبه معدومة داخليًّا وخارجيًّا بسبب آفة تضيّعها، ألا وهي أنّ هذه السيادة نفسها موضع نزاع داخليّ قبل أن تكون تحديًا خارجيًّا، أي على صلة بمدى قدرة الدولة على ممارسة سيادتها في وجه الأنظمة الإقليميّة والدوليّة المتنافسة على توسيع نفوذها وخدمة مصالحها. وستستمرّ هذه الحالة المعيبة ما دام اللبنانيّون لم يصبحوا بعدُ أمّة واحدة، وما دام الخطاب السياسيّ المحليّ لم يرتقِ بعدُ إلى مستوى تكوين أمّة بمفهوم اللفظة الحديث. وما الأزمة السياديّة التي نعيشها اليوم إلاّ إحدى تجلّيات هذه الحالة المعيبة التي تطبع لبنان منذ نشأته. فبسبب غياب مفهوم موضوعيّ للسيادة الوطنيّة، بات لبنان على نحوٍ فاضح في صميم النزاع السعوديّ الإيرانيّ أو السنيّ الشيعيّ أو العربيّ الفارسيّ أو الخليجيّ الفارسيّ... منذ أن قدّم الرئيس سعد الحريري استقالته من المملكة العربيّة السعوديّة؛ وللسبب عينه، ارتبط السجال الداخليّ الحاليّ بهذا النزاع، وتأثّرت أدبيّاته وإيقاعه بتطوّره صعودًا ونزولاً.

واللافت في هذا السجال الداخليّ فهم كلّ طرف من أطرافه السيادةَ في ضوء تحالفه الإقليميّ الذي يرتبط في نهاية الأمر بمصالح المرجعيّات الإقليميّة المتصارعة. وفي هذا دليل على غياب كلّ تفكير موضوعيّ في مصلحة لبنان التي من دونها لا يمكن الكلام على سيادة. فالسيادة ليست إلاّ علاقة سياسيّة تؤدّي إلى مشاركة مكوّنات المجتمع الواحد في المصلحة العامّة التي تُترجم في المؤسّسات العامّة الرمزيّة والدستوريّة. ولكن، ويا للأسف، يُلاحظ غياب كلّ تفكير نقديّ جديّ عن الخطاب السياسيّ يمكن أن يساهم في تطوير مفهوم موضوعيّ للسيادة. أوليس غريبًا أن يبحث المسؤولون اللبنانيّون على ضمانات خارجيّة لتعويمٍ أو تغييرٍ أو تسوياتٍ حكوميّة؟ 

وقبل هذا كلّه، أليس غريبًا ألاّ يتساءل الأطراف المحليّون المتورّطون في النزاع الإقليميّ عمّا هي طبيعة هذا الصراع؟ وما هي أهدافه؟ ولماذا لا يجري إلاّ بالواسطة أو بالتوكيل؟ فالنزعة المسيطرة على هذا الخطاب تتلخّص بالتناغم مع المرجعيّات الإقليميّة إن لم تكن بتبعيّتها بالكامل. أمّا في ما خصّ الداخل فيبقى مصيره معتمدًا على رغبة اللاعبين المحليّين في عدم تحويل لبنان إلى حلبة صراع مسلّح تتقاتل فيها مرجعيّاتهم الإقليميّة بأدوات لبنانيّة، إضافة، بالطبع، إلى الاعتماد على حكمة "الوسطيّين" الذين يمثّلون البرغماتيّة اللبنانيّة التقليديّة، أو فنّ إقامة توازنات واهنة بين التناقضات والعداوات الداخليّة ولعبة المحاور الإقليميّة والدوليّة، بغية الحفاظ على الحدّ الأدنى من مقوّمات الدولة والسلم الأهليّ، من دون تناول أساس المشكلة.

لماذا العجز عن تحديد مفهوم موضوعيّ للسيادة اللبنانيّة؟ تقوم الدولة الوطنيّة الحديثة التي يضمّ الدستور اللبنانيّ عناصرها، على تغيير أساسيّ في طبيعة الرابط الاجتماعيّ؛ إذ يتمّ تجاوز- وليس إلغاء- العلاقات الدينيّة والإثنيّة والعائليّة التي توحِّدُ مكوّنات المجتمع التقليديّ، إلى قيام علاقةٍ سياسيّةُ الطابع تؤسِّس سيادة الشعب. وفي أساس هذه العلاقة مشاركة المواطنين أفرادًا في المصلحة العامّة. ويقتضي هذا التحوّل تكوين الدولة باستقلال عن ملكيّة الحاكم الذي ارتبطت به مصلحة الدولة قديمًا، فتتكوّن الأمّة بصفتها كيانًا سياسيًّا وشعبًا حرًّا له دور جماعيّ وقدرة على اتّخاذ القرار. وبحكم مبدأ السيادة نفسه، لا يمكن أن يكون هذا القرار مُلزِمًا سائرَ الأجيال، بل تقتصر قيمتُه وصلاحيّته على الظروف التي سُنَّ بها، بحيث يبقى لكلّ جيلٍ الحقّ-بل الواجب- في اتِّخاذ خياراته.

إذا كان الدستور اللبنانيّ ينصّ على أنّ "لبنان وطن سيّد حرّ مستقلّ"، وأنّ "الشعب مصدر السلطات وصاحب السيادة يمارسها عبر المؤسّسات الدستوريّة" (مقدمة الدستور)، فهذا يعني أنّ للشعب القدرة على اختيار مصلحته العامّة وفقًا للظروف التي يعيشها. ولكن أين نحن من هذا الحقّ؟

لا شكّ في أنّ طابع الطائفيّة المؤقّت الذي ينصّ عليه الدستور قبل اتّفاق الطائف وبعده، ينطوي على معانٍ كثيرة لعلّ أهمّها أنّ الطائفيّة وهي الرابط الاجتماعيّ التقليديّ الأقوى في لبنان والشرق- لا يمكن أن تتماشى ومبادئ الدولة الوطنيّة الحديثة. لذا هي مؤقّتة ولا بدّ من تجاوزها. ولكنّ المأساة تكمن في أنّ المسار الذي سلكته الحياة السياسيّة في لبنان منذ تأسيسه إلى اليوم، يذهب في الاتّجاه المعاكس. فروابط المجتمع التقليديّ تترسّخ وتتصاعد بسبب دوام الطائفيّة، ومعها يغلب شكل الدولة بصفتها مِلك الحاكم أو بالأحرى الحاكمين الذين يحدّدون هم مصلحة الدولة أو بالأحرى مصالحهم الخاصّة التي يسقطونها على "شعوبهم"، وتبقى في الغالب رهينة علاقاتهم الخارجيّة. لقد أبقى هذا المسار على مجتمع مكوّن من جماعات تعيش جنبًا إلى جنب وغير قادرة على تصوّر ما يوحّدها، أي ما يتجاوز تمايزاتهم الطائفيّة التي تعطيهم هويّاتهم وبالتالي تتحكّم بطريقة فهمهم أنفسهم ومجتمعهم ومحيطهم.

وفي الواقع، توفّر الطائفيّة غطاء استمرار الإقطاعيّة السياسيّة المألوفة في العالم العربيّ، إذ تخلق جوًّا ينمّي الشعور بحاجة إلى مرجعيّة مؤتمنة على كيان الطائفة الجامد ومصالحه الجامدة. وفي الوقت نفسه، تحول دون توجيه تفكير أعضاء الطوائف المختلفة إلى ما يمكن أن يكوِّن مصلحة عامّة مشتركة فعليّة وديناميّة بينهم، وبالتالي يؤسّس لسيادة وطنيّة. ذلك أنّ الطائفيّة بحكم انطوائها على عناصر لاهوتيّة-سياسيّة-ثقافيّة ثابتة لها امتدادتها الخارجيّة، تمنع التفكير الوطنيّ الموضوعيّ، وتؤثر التصرّف انطلاقًا من خلفيّاتها، وبالتالي يسهل توظيفها داخليًّا وخارجيًّا. وعلى سبيل المثال، يكتسب النزاع الإقليميّ الذي نختبر نتائجه حاليًّا في لبنان طابع نزاع شيعيّ-سنيّ صرف. ولكن هل هو فعلاً كذلك؟ أليس أيضًا نزاعًا سعوديًّا-إيرانيًّا على صلة بمصالح كلّ من البلدَين؟ ألا يمكن أن يكون أيضًا نزاعًا عربيًّا فارسيًّا على النفوذ يوظِّف العامل الدينيّ؟ وحتّى عندما يتعلّق الأمر بالنزاع السنيّ-الشيعيّ، فقد سبق أن بيّن فؤاد زكريّا في أواخر ثمانينيّات القرن المنصرم في كتابه "الصحوة الإسلاميّة في ميزان العقل"، أنّ كلّ قوّة من القوى التي ترفع راية الإسلام وتحتكر أصالته لا تروّج في حقيقة الأمر إلاّ صيغة الإسلام التي تخدم مصالحها وطموحاتها.

يتحدّد الشعب السيادي بقدرة المواطنين على تصوّر مصلحتهم العامّة في ضوء حياتهم معًا بمعزلٍ عن روابط المجتمعات التقليديّة. ومن غير ذلك، ليس الشعب إلاّ مجموعات وأفراد علاقاتهم اقتصاديّة واجتماعيّة وطائفيّة وثقافيّة، ولكن، بكلّ تأكيد، ليست سياسيّة تبعًا لما تفترضه الدولة الوطنيّة الحديثة. لا بدّ من تحرير الانتماء الوطنيّ من الانتماء الطائفي لكي يبلغ اللبنانيّون مقام أمّة ويصبح لبلدهم سيادة. هدف صعب التحقيق ولكنّه ليس مستحيلاً.