EN | FR

مجلس البطاركة والاساقفة الكاثوليك في لبنان
اللجنة الأسقفية لوسائل الإعلام في لبنان
المركز الكاثوليكي للإعلام في لبنان

مطرانان مخطوفان و"صمت دوليّ"... البطريرك أفرام الثّاني لـ"النّهار": سنبقى وسنستمر

انه "صمت المجتمع الدولي" الذي يزعج أكثر الرئيس الاعلى لكنيسة السريان الارثوذكس في العالم البطريرك مار اغناطيوس افرام الثاني. "صمت دولي تجاه حروب هي أشبه بجرائم كبرى بحق الإنسانية، وعجز عن توفير الأمن والأمان للمدنيّين الأبرياء"، على قوله. من يقصدهم بكلامه هم "مسيحيو الشرق، خصوصا في سوريا والعراق، والذين يتعرّضون لاضطهاد هو الأعنف في التاريخ الحديث". 

هالة حمصي

المصدر: النهار

  • 15 أيلول 2017

صمت دولي مخيب، "مستغرَب جدًّا خصوصا تجاه خطف المطرانين يوحنا ابرهيم وبولس اليازجي"، على قوله. اين هما؟ ماذا عن جماعة "نور الدين الزنكي" وعلاقتها بتركيا؟ لماذا لم تفعل تركيا شيئا حتى اليوم لتبيان مصيرهما؟ رغم عرض البطريرك القضية مع الرئيس رجب طيب اردوغان، "لم يحصل شيء"، يلاحظ. اسئلة كثيرة، ولا جواب عنها. لكن بالنسبة اليه، هناك خيار واحد. "لا يمكن ان نقبل باليأس، او ان نقول ان المسيحية في الشرق انتهت. لا، سنبقى وسنستمر". ومتأكد هو ان "لنا دورا في هذا الشرق، حتى لو كان عددنا قليلا جدا. وعلينا ان نلعبه".

"ما في شي"... وهنغاريا الاستثناء 

عائد البطريرك من بروكسيل، حيث التقى قبل ايام قليلة العاهل البلجيكي الملك فيليب. جولة سابقة ايضا قادته قبل أشهر عدة الى الولايات المتحدة وعدد من الدول الاوروبية، مع بند وحيد دائما في جدول الاعمال. "المسيحيون في الشرق"، الى جانب تفقد ابناء كنيسة السريان الارثوذكس في الاغتراب. "بالتأكيد كل تحرك له نتائجه الايجابية، مهما كان حجمه"، يقول لـ"النهار". خلال لقاءاته والمسؤولين الغربيين، "نطلب منهم المساعدة، كي يبقى المسيحيون في ارضهم، ارض آبائنا واجدادنا".

 

معاناة المسيحيين الهمّ الاول. وعندما يُسأل البطريرك عن سبيل المساعدة، يجيبهم: "اولا ان تعملوا من اجل الامن والسلام في المنطقة وانهاء الحروب فيها. ثانيا ان تساعدونا في مشاريع انمائية وخلق فرص العمل. وبهذه الطريقة، يمكن البقية الباقية من ابناء الكنيسة ان تبقى في ارضها". ما يبديه هؤلاء المسؤولون، وفقا لما يلاحظ، "تعاطف كبير في كلماتهم ومشاعرهم. لكن ما نراه (من دولهم) قليل عمليا".

عموما، "ما في شي"، على قوله. وربما الاستثناء الوحيد "دولة هنغاريا التي ساعدتنا ولا تزال تساعدنا من خلال بعض الزيارات، وايضا المساعدات المادية التي نعمد الى توزيعها على المحتاجين". كذلك، للروس "دور كبير في المنطقة، ويهتمون بالمسيحيين"، بتعبيره. سمع من اكثر من مسؤول "ان الروس هم الوحيدون تقريبا الذين يسألون عن المسيحيين في سوريا". من عامين، التقى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وحاليا، "لا خطة محددة للقائه. لكن بالتأكيد الامر ممكن".       

ايا يكن المكان الذي تقوده اليه رحلاته الغربية، ثمة استغراب لديه لعدم اهتمام المجتمع الدولي بالمسيحيين في الشرق. ما الذي يتوقعه منه؟ "ربما يجب الا اتوقع شيئا منه"، يجيب. "ما توقعناه في البداية هو ان يفكروا في الناس الذين لا ذنب لهم وباتوا ضحايا في المنطقة. كان يمكن ان يفكروا فينا. لكن ذلك لم يحصل. لذلك، لا نتوقع كثيرا من المجتمع الدولي".  

اين المطرانان المخطوفان؟ 

ما يشعر به ايضا "خيبة امل" حقيقية من "الصمت الدولي، خصوصا تجاه خطف المطرانين يوحنا ابراهيم وبولس اليازجي". قضيتهما "خاصة وملموسة"، على قوله، "ويمكن المجتمع الدولي ان يقوم بشيء ما تجاهها. وهي مثال لاهتمامه بالمسيحيين في الشرق الاوسط". بالنسبة اليه، "تغييب المطرانين ضربة كبيرة للمسيحيين، وتسبّب بهجرة كبيرة لهم، لا سيما من حلب في سوريا. وما نستغربه هو ان اي دولة لم تبين لنا ما تقوم به من اجل المطرانين".

يلفت افرام الثاني الى "محاولات" يقوم بها الفاتيكان، "ونحن على تواصل معه بهذا الشأن. لكن لا نتيجة حتى اليوم". اما ما ادلى به الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله عن قول "داعش" ان المطرانين ليسا لديه، فيشير البطريرك الى انه "كلام سبق ان سمعناه من "داعش" قبل ان يدلي به السيد نصرالله".

نعم، "هناك تواصل مع "حزب الله" بهذا الشأن عن طريق اشخاص"، على ما يؤكد. ما عَلِمه من "داعش" حول المطرانين "بلغ الينا عندما تمكنا من تحرير بعض السيدات من القريتين. يومذاك كان لدينا مجال لتوجيه اسئلة الى "داعش" بواسطة اشخاص. وكان اهم سؤال عن المطرانين. وأجاب "داعش" انه لا يعرف شيئا عنهما، وانهما لم يمرا لديه، ولا علاقة له بهما".  

اين المطرانان إذاً؟ السؤال لا يزال يحيّر، يقلق. وفقا لما عرفه البطريرك في شكل يقين، "من القى القبض عليهما اشخاص من الشيشان. وفي اليوم التالي لخطفها، سلموهما الى جماعة "نور الدين الزنكي". هذا هو الخبر الوحيد الذي تأكدت منه شخصيا، لانني سمعته في وزارة الخارجية الاميركية عندما كنت يومذاك في واشنطن. وبلغني في اليوم الثاني لخطفهما، في 23/4/2013. ومنذ ذلك الحين، لم يصل الينا، كبطريركية، اي خبر آخر".  

 

جماعة "نور الدين الزنكي". وفقا لمعرفته، "الجماعة لها علاقة بتركيا". وبناء على ذلك، التقى رئيس الحكومة التركي السابق، وايضا الرئيس التركي رجب طيب اردوغان في واشنطن. و"شرحت له السبب الذي يدفعنا الى الاعتقاد بان تركيا قادرة على المساعدة في تحرير المطرانين".  

ابراهيم واليازجي كانا عائدين من انطاكيا في تركيا الى سوريا. و"خُطفا في منطقة فيها نفوذ تركي بواسطة مجموعة محسوبة على تركيا". قال البطريرك لاردوغان "اننا نتوقع ان تقوم تركيا بشيء ما لتحريرهما. واردوغان لم ينفِ الموضوع. والكلمة الوحيدة التي سمعتها منه "ان شاء الله". توقعنا حصول شيء. لكن حتى اليوم، لم يحصل شيء".   

رغم ذلك، يصرّ البطريرك على ان "ايماننا بربنا أكيد، لاننا ابناء الرجاء والامل. وسنواصل الصلاة من اجل عودة المطرانين. ونأمل في ان تكون قريبة". لا خبر اكيدا عن انهما لا يزالان حيين، "لكن طالما لم نسمع بعد عنهما خبرا سيئا او سلبيا، يبقى لدينا ايمان ورجاء في انهما حيان... وبالتأكيد سنواصل دق الابواب، ولا نقصّر. ونستمر في طلب المساعدة من المسؤولين الغربيين الذين نلتقيهم".  

"الاوان لم يفت

انطلاقا من الموقف الايماني نفسه، يتعامل افرام الثاني مع مأساة المسيحيين في الشرق. و"الاوان لم يفت"، في رأيه. "لا يمكن اطلاقا ان نصل الى اليأس. بالتأكيد، غادرت الشرق اعداد كبيرة من المسيحيين، لا سيما من السريان الارثوذكس والكلدان والسريان الكاثوليك والاشوريين. ومن بقي منهم، يجب ان نحافظ عليه. ونشتغل على هذا الاساس. لكن لا نستطيع ان نجبر احدا على البقاء"، على قوله.

 

 

ما تحاول الكنيسة القيام به هو "مساعدة من بقي من ابنائها على البقاء من خلال بعض المشاريع الانمائية وتوفير فرص عمل لهم". امر آخر مهم جدا. "يجب الا نقول ان المسيحية انتهت في الشرق. المسيحية لا تنتهي في الشرق، لكنها تضعف، لان عدد المسيحيين يقل. لنا دور في هذا الشرق، حتى لو كان عددنا قليلا جدا. وعلينا ان نلعبه".  

الارقام مؤثرة، وتعبّر عن عمق المأساة المسيحية في العراق وسوريا. على صعيد السريان الارثوذكس، ثمة تقديرات "عن مغادرة اكثر من 80% منهم العراق، اي بحدود المليون ربما، ابتداء من العام 2003"، على ما يفيد. من سوريا، غادر "بين 45% و50% منهم، ويمكن ان نتكلم على 600 الف او 700 الف خلال الاعوام الـ6 الماضية". المغادرة حاليا "اقل مما كانت عليه قبلا". ولا احصاءات دقيقة عمن بقوا، "لكن يمكن التكلم على 600 الف و700 الف في سوريا، ونحو 300 الف في العراق".  

"ارى نورا لا يمكن احدا ان يطفئه

مرحلة ما بعد "داعش" "لا تختلف كثيرا"، في رأيه، عن مرحلة "داعش". "داعش يأتينا بأسماء مختلفة. بالطبع، نرى اندحاره حاليا. ويبدو ان مهمته انتهت في هذه المنطقة، وتتم ازاحته من هنا". في غضون ذلك، "تستعد" الكنيسة للمرحلة المقبلة، "بحيث نعيد بناء كنائسنا ومدراسنا واديرتنا. وفي الدرجة الاولى، نعيد جمع ابناء الكنيسة في مجتمعاتهم، ومساعدتهم في الاستقرار فيها. كثر منهم خسروا منازلهم واعمالهم. ساعدناهم خلال الازمة وفقا للامكانات المتوفرة لدينا. لكنهم يحتاجون الى مساعدة اكبر، ليبنوا حياتهم الاجتماعية والفردية والاقتصادية".

 

ماذا يرى في المستقبل؟ يصمت طويلا، مطرقا. "ارى نورا لا يمكن احدا ان يطفئه. انه نور المسيح في قلوبنا وقلوب ابناء الكنيسة، النور الذي سيلهمنا ان شاء الله، ويقودنا لنعيد تفعيل دورنا في المنطقة، شهادة للمسيح وايمان الكنيسة منذ الفي عام". ويتدارك: "لا يمكن اطلاقا ان نقبل باليأس او ان نقول اننا انتهينا. لا، سنبقى وسنستمر. ستكون الامور صعبة علينا، اذ يتوجب ان نبني حياتنا من الاول، خصوصا في سوريا والعراق. وهنا دور الكنيسة في الشرق، وايضا في الغرب".  

يبقى في سوريا، وسط ابناء الكنيسة، ويتفقد من بقوا في العراق. "بالتأكيد هناك خطر" على حياته. "لكن من يقدم حياته للخدمة لا يفكر فيه كثيرا، لان ذلك جزء من رسالتنا"، على قوله. "يجب ان نكون مع المؤمنين دائما، والخطر يتهدد الجميع. قد يكون اكبر لبعضهم، لكن ذلك لا يوقفنا عن نشاطنا".  

والنشاط البطريركي... في لبنان ايضا. "خيبة الامل كبيرة" من عدم تلبية الحكومة طلبه المشترك مع بطريرك السريان الكاثوليك مار اغناطيوس يوسف الثالث يونان لتخصيص الطائفتين بمعقدين نيابيين في قانون الانتخاب الجديد. "نلوم الاطراف الذين يشكلون الدولة او الحكومة، اي الكتل النيابية، ولم ينصفونا للاسف هذه المرة في قانون الانتخاب الجديد".  

ايا يكن، يصر على "مواصلة المطالبة، وهذا حقنا. نحن موجودون في لبنان منذ بداية التاريخ". ولا شك في الامر. "لبنان مصبوغ بالصبغة السريانية. ويعني اسمه بالسريانية "قلب الله". وحتى لو سُمِّينا اقلية سياسية، نحن جزء من هذا التراب وهذا التراث العريق. ولا بد من ان نأخذ حقنا".