EN | FR

مجلس البطاركة والاساقفة الكاثوليك في لبنان
اللجنة الأسقفية لوسائل الإعلام في لبنان
المركز الكاثوليكي للإعلام في لبنان

مطر في افتتاح مؤتمر الحكمة عن اللامركزية الإدارية :الانتخابات الحالية منعت من أن تكون منعطفا مهما في سياق التطور الخلاق

الخميس 15 آذار 2018

وطنية - افتتح رئيس أساقفة بيروت للموارنة وولي الحكمة المطران بولس مطر، قبل ظهر اليوم، مؤتمر جامعة الحكمة السنوي عن "اللامركزية الإدارية الموسعة"، الذي تنظمه كليتا الحقوق والعلوم السياسية والعلاقات الدولية في الجامعة، بدعوة من رئيسها الخوري خليل شلفون، في قاعة الإحتفالات الكبرى للجامعة في صرحها الرئيسي في فرن الشباك، في حضور وزراء ونواب حاليين وسابقين وشخصيات روحية ونقابية وقضائية وقانونية وفكرية وثقافية وأكاديمية.

بعد النشيد الوطني ونشيد الجامعة ووثائقي عن لبنان وظروف وضع وثيقة الوفاق الوطني، ألقت الدكتورة كريستيان عيد كلمة ترحيب وتعريف، وقالت: "الحكمة اليوم كما دائما في قلب لبنان، قلب لبنان الذي عاد إليه النبض بعد الحرب الشرسة التي، مهما وصفناها بالحرب الأهلية، بين أهل الوطن والأشقاء أو حرب الآخرين على أرضه، يبقى أنها حرب شعواء، أنهكت كيان لبنان وشتتت قوامه ومقوماته وأبعدت أبناء الأرض الغالية الواحدة الموحدة عن بعضهم وقطعت أواصر المحبة بينهم".

البستاني
ثم ألقى عميد كلية الحقوق في جامعة الحكمة الدكتور مارون البستاني كلمة اكد فيها ان موضوع "اللامركزية الإدارية" أولوية، تناولت عناوينه وثيقة الوفاق الوطني، غير أن الظروف، أبقته دون أي تطبيق، على الرغم من كل الجهود المبذولة (وقد بذلها أصحاب مقامات بعضهم موجود بيننا اليوم).. وبعد ان دنا موعد الانتخابات النيابية عاد صداه ليتردد من جديد، حتى أمسى من النادر أن يخلو من الإشارة اليه، خطاب او تصريح او اعلان برنامج مرشح".

وقال: "اللامركزية، ليست مجرد نظرية قانونية ثابتة، محددة المعالم، واضحة الأطر، في الواقع، ما هي سوى مجرد مسار، مسار يشير الى اتجاه او الى منحى C'est une simple tendance. فهي تتجلى على مراحل، أو كل وفق تدرج، تحددها الظروف التاريخية أو الضرورات العملية أو النظم الدستورية في كل بلد"، مشيرا الى ان "علينا أن لا نخلط بين مفاهيم اللامركزية La décentralisation واللاحصرية La déconcentration ، والتشعبية او التوزعية La délocalisation".

اضاف: "إن طرح مسألة اللامركزية في التداول قديم..وتبقى هذه المسألة أبدا موضوع الساعة، في كل الأوقات وفي ظل كل الأنظمة السياسية، أيا كانت هذه الأنظمة. كما انها تقع على مسافة واحدة من القانون الدستوري ومن القانون الإداري. وهي ترتبط بالمفهوم العام للدولة وبهيكليتها، لتأثرها، الى حد بعيد، بالاحداث والتطورات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، ولأن لها أيضا بعدا سياسيا، إضافة الى البعد القانوني والتنظيمي الصرف. الخلفية السياسية لا يمكن لأحد أن ينكرها، حتى ولو حاول البعض ذلك. ليس بالإمكان إذا الكلام عن نظرية اللامركزية في المطلق، بل عن اللامركزية في هذا البلد أو ذاك. وفي هذه الحقبة الزمنية أو تلك، أي في هذا المنعطف السياسي الذي تحدده أحداث أو تبدلات معينة، لذلك فقد كان من البديهي أن تتناولها وثيقة الطائف".

ورأى انه "من الخطأ الفادح أن نحاول فصل اللامركزية عن واقع دولة معينة، من أجل الباسها مفهوما عاما ينطبق على كل الدول. وعلى هذا الأساس، لا يمكن للامركزية الإدارية أن تشكل نموذجا موحدا يصلح للتطبيق في كل زمان وفي كل مكان".

وقال: "يبرز أيضا بعد آخر للامركزية تختصره عبارة BARTHELEMY الشهيرة: " ان مشكلة اللامركزية، هي في الواقع، مشكلة الحرية السياسية". بمعنى أن السلطة التي تجتمع في مركز واحد، قد تصبح عمياء، تستحق أي موقف مغاير، او توجه ناتئ يبرز امامها، وتهمل الأطراف، فتأتي اللامركزية لتحقق نوعا من إعادة التوازن في العلاقة بين الدولة والمواطنين. سواء أكانت لامركزية إدارية جغرافية كالبلديات، او لامركزية إدارية مرفقية، كالمصالح المستقلة والجامعة اللبنانية. فهي لا تولد طرحا تصادميا مع الدولة لأنها تستمد سلطتها من الدولة المركزية التي تعترف بها وتنظمها".

واشار الى ان اتفاق الطائف ينص على ما يلي: "اعتماد اللامركزية الإدارية الموسعة"... "اعتماد خطة إنمائية شاملة للبلاد قادرة على تطوير المناطق اللبنانية وتنميتها اقتصاديا واجتماعيا وتعزيز موارد البلديات والاتحادات البلدية...بالإمكانات المالية اللازمة".

وقال: "اعتمدنا لهذا المؤتمر ثلاثة محاور، مبتعدين عن المفاهيم النظرية العامة، وعن استنساخ ما سبق ان قيل أو كتب، حاصرين النقاش بما هو جديد وطارئ ومرتبط بالخصوصية اللبنانية"، مضيفا: "حفزنا طلابنا،... كي يقدموا مشروعا يختصر نظرتهم بموضوع اللامركزية الإدارية، ليضموه الى باقي مشاريع ترقد هنيئا في الادراج".

شلفون
ثم ألقى الخوري خليل شلفون كلمة اعتبر فيها "ان اللامركزية الإدارية الموسعة، شرعة العمل السياسي، هي أولوية قصوى، تخفيفا من حدة الصراع على السلطة المركزية وتعزيزا للانماء المتوازن".

وقال: "ان هذا المؤتمر، على غرار المؤتمرات الدراسية المتعددة التي سبق للجامعة وأقامتها حول شؤون وطنية ملحة، كالدين العام وقانون الانتخاب والنزوح السوري وسواها، يندرج في صلب إهتمامات جامعتنا بمقاربة القضايا السياسية والحقوقية والإدارية والوطنية الكبرى التي تتطلب معالجة هادئة وعلمية، بعيدة عن اعتبارات واصطفافات ومواقف مسبقة، تتداخل فيها السياسات والحسابات والمصالح، وهي معالجة يتولاها أصحاب معرفة وخبرة، عرفوا بشمولية الرؤية وصدقية الالتزام ودقة التشخيص. في الرابع والعشرين من تشرين الأول 1989، تم اعلان وثيقة الوفاق الوطني في الطائف. أراد موقعوها تكريس مبدأ المشاركة الكاملة والشاملة لجميع مكونات المجتمع اللبناني".

واكد "ان هدفنا الأساسي يبقى، في كيفية بناء دولة الحق على العدل والمساواة والمشاركة، وما يحتاج اليه العيش المشترك، في مجتمع كمجتمع لبنان، ومع قيام دولة مدنية ديموقراطية قائمة على التوفيق بين الوحدة والتعددية وبين الخصوصيات الثقافية ووحدة الانتماء الوطني- على ما جاء في توصيات المجمع البطريركي الماروني. أما اللامركزية الإدارية الموسعة التي جاءت بها وثيقة الوفاق فهدفها - كما يتبين - إعطاء المناطق حقوقها وتعزيز مشاركة أبنائها في صنع القرارات التي تعنيهم".

وقال: "ان ما نريده في كل ذلك هو ديمقراطية توافقية تصون حرية أبناء الوطن وكرامتهم وتقود الى انماء شامل ومستدام لكل لبنان، بشعبه ومؤسساته، ومن هنا دقة الموضوع وأهميته، وضرورة معالجته بما يفيد ويحفظ بل يعزز روحية لبنان الواحد، الضابط الكل"، متمنيا "ان يكون هذا المؤتمر مدماكا اساسيا في بناء دولة مدنية فضلى، نسعى اليها باستمرار، تتلاقى فيها قيم تاريخنا ومعاني جغرافيتنا لنصنع لنا ولأجيالنا الآتية لبنان المستقبل".

مطر
وقبيل الجلسات ألقى راعي المؤتمر المطران مطر كلمة جاء فيها: "يسعدنا ويشرفنا أن نرحب بكم في جامعة الحكمة، تتحلقون فيها حول قضايا ومواضيع وطنية كبرى، على الرغم من أن الاهتمام ينصب في هذه الأيام على الانتخابات النيابية التي باتت على باب قوسين أو أدنى من إجرائها، وذلك بعد طول انتظار وتمديدات للمجلس النيابي كادت أن تحول دون هذا الإجراء إلى أجل غير مسمى. لكن الظروف عينها قد تكون مؤاتية للبحث في شؤون لبنان المستقر الذي نطمح إليه في المستقبل، ما دامت الانتخابات الحالية قد منعت من أن تكون منعطفا هاما في سياق التطور الخلاق الذي نبحث عنه في حياتنا الوطنية. فأهل السياسة قد استبدلوا فيها صراع الأفكار وبحث الشؤون المصيرية والنظر إلى ما يريده الشعب من الذين يوكل إليهم أمر قيادته، بتأليف لوائح هجينة لا يلتقي فيها أصحابها إلا من أجل تحالف عابر تطوى صفحته توا بعد صدور النتائج، ويستبدل بمواقف لاحقة لا دخل لها بما جرى عبر صناديق الاقتراع ومهرجانات الخطب التي سبقته وأوصلت إليه".

اضاف: "يؤسفنا الملاحظة أن موسم الانتخابات هذا لم يقدم فرصة للشعب لكي يعرب عن إرادته السيدة الحرة وعن رسم التوجهات الكبرى للسياسيين المنبثقين من العملية الانتخابية. ففي الدول الديموقراطية العريقة يلجأ السياسيون إلى الناس كلما اختلفوا في ما بينهم لكي يفصل هؤلاء في الجدل القائم ويعطوا توصياتهم الأساسية للحقبة اللاحقة. وكم رأينا غريبا عن المزاج الديموقراطي إصرار مجمل السياسيين عندنا على تفصيل قوانين انتخابية يستطيعون أن يعرفوا نتائجها مسبقا وإلا بحثوا عن غيرها ولو كلف هذا البحث عشرات السنين".

وتابع:"كما يؤسفنا أيضا أن نضيع من بين القواعد الديموقراطية الأصيلة عندنا عناصر مهمة لحسن سيرها ولانتظام الحكم الذي يلجأ إليها. ومن هذه العناصر عنصر التصويت حتى على مستوى السلطة الإجرائية. فالتوافق بات عندنا سيد الموقف، ولا احتكام إلا إليه. نحن نعلم أننا ننتمي إلى وطن متنوع في شعبه ومتعدد في طوائفه وانتماءاته. وإن خير ما يفسر قيام وطننا الواحد المشترك هو فكر فلاسفة العقد الاجتماعي وقد تتابعوا آراء وأشخاصا على مدى القرنين السابع عشر والثامن عشر الميلاديين. لكن جان جاك روسو وهو الأوسع فكرا في هذا الموضوع يتكلم عن قيام العقد الجماعي مرة واحدة في حياة الشعب، أي في انطلاقة التأسيس. وبعد ذلك تجري الحياة السياسية وتخضع للانتخابات وعمليات الاقتراع والتصويت كلما دعت الحاجة إلى ذلك. ويضيف هذا الكاتب ليقول: "إن الناس الذين ينضمون بعضهم إلى بعض في العقد الجماعي تصبح لهم من جراء هذا العقد إرادة عامة هي أكبر من إراداتهم الفردية وحتى من إراداتهم مجتمعين حتى ولو أجمعوا عليها. بمعنى أن الوطن يصبح أسمى من الأفراد وأسمى من الجماعات فيه مهما علا شأنها".

وقال: "نسأل عن حال بلادنا في ضوء هذا التعليم: ماذا نعمل في لبنان بعد أن نكون قد توافقنا على انتمائنا لهذا الوطن الواحد ولهذا المصير الواحد؟ هل نكمل التوافق على كل شاردة وواردة في حياتنا العامة أم نلجأ إلى التصويت لحسم الأمور العادية وذلك لأن توافقنا قد تم مرة نهائية بفعل مرورنا بالعقد الجماعي المؤسس؟ هل نتوافق على تعيين الناطور؟ وعلى وضع قانون السير؟ أم تمر هذه الأمور غير الميثاقية بالتصويت الذي يبقى عنصرا أساسا في الحياة الديمقراطية؟".

اضاف: "سنعود حتما إلى حل هذه الإشكالات بعد أن نكون قد قطعنا المرحلة الصعبة التي سميناها بحق أو بغير حق مرحلة إعادة تأسيس الحياة السياسية في البلاد، ووضعنا مجمل اتفاق الطائف الشهير حيز التنفيذ. وأخشى ما نخشاه هو أن تكون الظروف الحالية قبل الانتخابات أو بعدها غير ذات تأثير على تطورنا المطلوب في المستقبل. فيسهل علينا من هذا الباب القبول بأن نطرح مواضيع مستقبلية وأساسية كتلك التي نطرحها في هذه الندوة، ولو كان الأمر متصادفا مع عز الموسم الانتخابي لئلا تتوقف الحياة ونضيع جما من الوقت ونهدر مزيدا من الفرص".

وتابع: "فهل اللامركزية الإدارية موضوع أساسي في حياتنا لهذه الأيام؟ نجيب على السؤال بالإيجاب ودون تردد نظرا للخلفية الفكرية التي تحكم مقاربة هذا الموضوع الشائك والمعقد. ففي دولة مثل فرنسا الجمهورية، أي لما بعد انهيار الملكية فيها وإقامة الحكم المدني الجديد لم يتردد الشعب في رفض اللامركزية، وفي الاستمرار على الحالة المسماة يعقوبية حتى أيامنا الحاضرة. فالدولة هناك هي دولة لشعب مؤلف من أفراد متجانسين وقد حلوا مشكلة الصراع الديني عندهم بصورة نهائية. وإن دولة مثل ألمانيا لا يضيرها أن تكون اتحادية أي فدرالية لأن تاريخها هو تاريخ تنوع في الحكم وفي الأنظمة وتاريخ انضمام جماعات للدولة الموحدة تلو الأخرى، ولو بالقوة، أي إلى الحكم المركزي الذي بقي محكوما بقناعات تشارك فيها جميع فئات الشعب. ولكن في كل حال. ومهما تغيرت الظروف وتبدلت، يبقى للشعب المتنوع هناك صوته المدوي وحضوره في اللعبة السياسية القائمة أو المزمع أن يدفعها إلى حيز التنفيذ؟

وقال: "القضية الفكرية هي التي تفرض الحفاظ في تنفيذ اللامركزية الموسعة على وحدة البلاد أرضا وشعبا، ويجب أن تبقى هذه الوحدة قائمة وأن لا يمسها شيء. فهناك سلطة للدولة على كل الأرض وهناك حرية للتنقل معترف بها وللسكن لمن يشاء وحيث يشاء. ومن جهة ثانية وتسهيلا لحياة المواطنين يجب أن تتقرب الدولة من الشعب وأن توزع الإدارات الحكومية على كل أنحاء البلاد. فيتواجد الأمن العام على سبيل المثال ومكاتب المعاملات في كل منطقة. وبالإضافة إلى ذلك، تعتمد البلاد على مشاركة المناطق مباشرة في تسيير شؤونها الحياتية والإنمائية. فمن الضروري في هذا المجال أن تهتم كل منطقة في شؤون ذاتها وأن تجبي الضرائب لهذه الغاية فتنتظم الحياة العامة فيها على هذا الأساس".

وأعلن "ان الدستور يشدد على أن التنمية الشاملة هي هدف سام للبلاد كلها. لكن هذا التنظيم المناطقي يجب ألا يمس مبدأ التضامن العام في إجراء التنمية لئلا تصل منطقة ما إلى قمة التطور وتبقى مناطق أخرى قابعة في التخلف. فيقتضي أن تجبى الضرائب من الشعب وفي الوقت عينه لصالح كل منطقة ولصالح التضامن بين المناطق فتكون لنا ضرائب مناطقية وضرائب وطنية عامة تؤمن المصلحة العليا للجميع. لهذا يتم التمييز بين اللامركزية الإدارية واللامركزية السياسية".

واوضح ان "اللامركزية السياسية يخشى معها أن تقسم البلاد إلى دويلات وإلى طوائف تفرز نفسها بنفسها ضمن هذه الدويلات؛ وهذا ما يتنافى مع وحدة الدولة ووحدة الشعب والمؤسسات. على أن الحدود بين لامركزية إدارية ولامركزية سياسية قد يكون رسمها دقيقا على أرض الواقع. فالمطلوب هو أن تنطلق معالجتنا هذه للأمور من أسس فكرية واضحة لنعرف ما نريد وننفذه دون تردد ودون الوقوع في أخطاء تأتي بالويل على البلاد والعباد. فإن مؤتمركم أيها السادة له قيمته الوطنية الكبرى، وله دوره في تحضير البلاد لمثل هذه القفزة النوعية التي تبغي الحداثة والإنماء ومشاركة الناس في تسيير شؤونهم. فلهذا المؤتمر إذا دور كبير في نجاح البلاد لأنه يساعد على تجنيبها خطر الانزلاق في ما لا نريده لها ولأنفسنا على حد سواء. وإننا نفخر بكم كوكبة مميزة من أهل العلم والرأي في وطننا العزيز. فلكم من الوطنية السامية ما يجعل الناس ترتاح إلى رأيكم السديد. ولكم الشكر مضاعفا باسم الحكمة وباسم الوطن الذي نبذل وإياكم في سبيله لا الجهود وحسب بل المهج والأرواح".