EN | FR

مجلس البطاركة والاساقفة الكاثوليك في لبنان
اللجنة الأسقفية لوسائل الإعلام في لبنان
المركز الكاثوليكي للإعلام في لبنان

من أوستراليا إلى أرمينيا: أساقفة من كنائس شرقيّة في رحلة تضامن... كاريكين و"اللقاء المهم"

هالة حمصي

المصدر: "النهار"

  • 26 حزيران 2018

اتشميادزين. في حضرة قداسته، اكتملت الجمعة. اللحظة مؤثرة. في الصدارة، جلس كاثوليكوس جميع الأرمن، الرئيس الأعلى للكنيسة الرسولية الأرمينية الارثوذكسية كاريكين الثاني، وحوله الضيوف الأساقفة، مجلس رؤساء الكنائس الشرقية الرسولية في أوستراليا ونيوزيلاندا وممثلين لها. أمامه فسيفساء مسكونية رائعة: أسقف ماروني، روم كاثوليك، قبطي ارثوذكسي، لاتيني، أرمن ارثوذكس، ارمن كاثوليك... وجاؤوا جميعا في مهمة واحدة. "التضامن مع الكنيسة الأرمينية والشعب الأرميني".

للحديث وقع. الباب أُغلِق. رهبة، ترقب، توق الى هذه الساعة تمخض طوال اسابيع. رحّب قداسته بالضيوف، و"نحن سعداء باستقبالكم" في اتشميادزين في أرمينيا. اول الكلام على "العلاقات الاخوية الحارة بين الكنيسة الارمينية ومختلف الكنائس الشقيقة"، و"حضوركم هنا شهادة لها"، على قوله.    

يتذكر زيارته لاوستراليا، ليبدي امتنانه تجاه "التعاون الوثيق بين قادة الكنائس الشقيقة وكنيستنا". "عندما تكون هناك مناسبات في الكنيسة الارمينية، نشهد حضور رجال دين من الكنائس الشقيقة بالحماسة والورع نفسيهما". "انها الثمار الجيدة لخدمتكم المباركة، وشهادة للحب المتبادل بين اعضاء كنيستنا والكنائس الشقيقة".   

 

 

وفد المجلس مصغيًّا بانتباه. وضمّ المطران روبير رباط راعي أبرشية الملكيين الكاثوليك في أستراليا ونيوزيلاندا ورئيس المجلس، المطران أنطوان – شربل طربيه راعي الأبرشية المارونية في أوستراليا، سيادة المتروبوليت هيغازون ناجاريان راعي الكنيسة الرسولية الأرمنية الأرثوذكسية في أوستراليا ونيوزيلاندا، الأنبا دانييل أسقف أبرشية الكنيسة القبطية الأرثوذكسية في سيدني وتوابعها، المطران جوليان بورتيوس رئيس أساقفة ابرشية هوبارتتازمانيا للكنيسة اللاتينية الكاثوليكية، المونسينيور باسيل سوسانيان ممثل الكنيسة الأرمنية الكاثوليكية في أوستراليا، والأب إيلي نخول المرسل اللبناني الماروني، المسؤول الإعلامي وسكرتير المجلس.   

"يوم صنعه الرب

الكلمة لرئيس المجلس المطران رباط الذي قال ان زيارة المجلس لاتشميادزين، حيث مقر الكنيسة الارمينية الارثوذكسية، "لها اهمية كبيرة بالنسبة الينا، خصوصا ان الكنائس التي تخدم في اوستراليا اصلولها من الشرق الاوسط، وكثر من رجال الدين والمؤمنين في كنائسنا هم ابناء المنطقة وبناتها".

واسترجع العصور القديمة للمسيحية الارمينية، ابتداء من رسالة الملك القديس أبجر الى الرب يسوع المسيح، وتبشير التلميذين تداوس وبرثلماوس في ارمينيا، واهتداء الملك تيريداتس الثالث ومعموديته على يد القديس غريغوريوس المنور... مع الاشارة الى ان الارمن كانوا الاوائل الذين تلقوا المسيحية. "امور كثيرة تذكرنا بهذا الماضي المجيد، ولا يمكننا سوى ان نتوق الى وحدة القلب والفكر، والتي هي صفة اساسية تميز شعب الله"، على ما اضاف.  

 

رغبة لدى المجلس، وعبّر عنها رباط قائلا: "ايا يكن الوضع الذي كان في الماضي، نحن ورثة هذا الادراك ان ما يجمعنا أكثر بكثير مما يفرق بيننا، خصوصا بين تلك الكنائس التي تحمل بكل ثقة صفة الرسولية... واملنا جاد، في ان تواصل قداستك، كما فعلت، مسيرة اسلافك، حتى يجتمع في ذلك يوم- يوم صنعه الرب- جميع الذين يدعون بكمال الإيمان الذي سلموه الى القديسين، حول مذبح واحد، ويتشاركون في خبز الحياة الوحيد وكأس الخلاص الوحيدة".       

في ختام الكلمة، قدّم رباط الى البطريرك كاريكين الثاني هدية، باسم المجلس، عبارة عن درع تقديرية تذكارية، اضافة الى تبرع مالي "علامة صغيرة على تضامننا مع الكنيسة الارمينية والمؤمنين فيها".  

الجلسة مع الكاثوليكوس كاريكين امتدت أكثر. "اللا عدالة" تجاه الابادة الارمينية حضرت، وشملت جولة الافق توحيد الاحتفال بعيد الفصح، التعاون المسكوني، وايضا التغييرات السياسية في ارمينيا، ووضع الكنيسة الارمينية وانتشارها.

لقاء التقارب 

باللقاء مع الكاثوليكوس كاريكين الثاني، يتوّج وفد اساقفة المجلس "زيارته التضامنية" لأرمينيا وشعبها وكنيستها، بدعوة من الكنيسة الرسولية الأرمينية الأرثوذكسية. انطباع جيد ساد في الارجاء. "هذا اللقاء مهم جدا"، على قول الاب نخول. في قراءة له، "اللقاء حقق نوعا من التقارب بين كل الكنائس والكاثوليكوس كاريكين الثاني، خصوصا قبل نحو 3 اشهر على زيارته لاوستراليا (ت2 2018). وهذا التقارب سيكسر حكما اي حواجز قد تكون موجودة، اكانت معلومة ام غير معلومة".

 

 من خلال الحديث المشترك الذي شهده اللقاء، وكلمتي الكاثوليكوس كاريكين ورئيس المجلس المطران رباط، "بدا واضحا ان ما يجمع الكنائس الشرقية اكثر بكثير مما يفرق بينها"، على ما اضاف، "لان اي خلاف يمكن ان يكون حصل في الماضي- ولا تزال آثاره موجودة حتى اليوم- ليس سوى خلاف على الالفاظ. هذا الخلاف تتخطاه عالم اليوم، لان لقاء القلب الذي هو لقاء الايمان بالمسيح الذي يكشف للناس ارادته، اهم بكثير من ذلك".  

والملاحظ ايضا ضمن هذه الاجواء، ان "الرغبة واضحة في تذليل العقبات التي تمنع ان تحتفل الكنائس بالفصح في موعد واحد". وتدارك نخول: "هذه الارادة اصبحت جامعة. ويبقى ان يحدد القيمون على هذا الملف تقنيا كيفية تحقيق هذه الامنية. وهذا ما لمح اليه الكاثوليكوس في كلامه".     

قبل يومين، انطلق وفد المجلس في مهمته الارمينية. انها رحلته التضامنية الخامسة، بعد العراق وسوريا ولبنان ومصر. لقاءات وجولات بدأها منذ وصوله الى اتشميادزين، وتشمل مؤسسات إنسانية من مياتم ودور مسنّين وغيرها "للمشاركة عن قرب في هموم وأوجاع الأقل والمتألمين والفقراء والمعوزين والأيتام من أبناء البلاد، وتقديم بعض المساعدات المالية اليهم، والتي جُمعت من بعض المحسنين من أبناء وبنات الكنائس الشرقية الرسولية في أوستراليا ونيوزيلاندا". 

وهناك ايضا محطات اخرى مع شخصيات سياسية وديبلوماسية، ابرزها مع رئيس الوزراء الارميني نيكول باشينيان، ليلامس الوفد ايضا المسار الوطني والسياسي لهذه البلاد التي تناضل من اجل مستقبل افضل لأجيالها.  

جنبا الى جنب 

برنامج يومي مشترك ينطلق فيه الاساقفة كل يوم كرفاق درب أصبحوا أصدقاء يحلو لهم العمل معاً. تَلاق جميل يفتح الشهية على احاديث جامعة، على تبادل للآراء، على تقارب مسكوني في أحلى أوجهه. شهادة يقدمونها كلما ساروا معا، ودخلوا معا، وجلسوا معا...

 

 

في متحف الابادة الارمينية، وقفوا جنبا الى جنب، متأملين، مطرقين، رافعين الصلاة لراحة نفوس عشرات آلاف ضحايا الابادة الارمن. هناك، وضعوا اكليلا عند النصب الشاهق، وزهورا امام الشعلة المشتعلة دائما. خطوة خطوة، عادوا اكثر من مئة عام الى الابادة. تعرفوا الى وجوه أطفال ونساء ورجال محطمة بالالم والخيبة والجوع، واستعادوا ماضي ثقيلا جدا. صارحتهم المرشدة بشعورها. "الاعتراف بالابادة راحة جزئية فقط. بالطبع هو مهم، لكن اي شيء لن يعيد هؤلاء الضحايا الى ارضهم واهلهم".     

الجولة انتهت بدرع تذكارية قدمها المجلس الى المتدف. كلمة باسمه وجهها الاب نخول. "لقد جئنا إلى هذا المكان خُشّعاً، لنتذكر معكم فترة أليمة من تاريخكم، قدّمتم خلالها أعداداً كبيرة من الشهداء على أيدي إرهابيين قتلة توافقوا على إبادتكم، لكنهم بدلا من ذلك، دفعوكم إلى أن تزدادوا قوة وعزيمة في الدفاع عن وجودكم والإتحاد مع بعضكم البعض، فأفرزت محاولةُ إبادتكم أمّةً عظيمة تعيشُ حرّةً مستقلّةً في وطنٍ يليقُ بكم". 

 

 

الاب نخول مقدما باسم المجلس درعا تذكارية الى نائب مدير المتحف.

واضاف: "جئنا نقف معكم اليوم لنعلن معاً بأننا نرفضُ أن نموت مرتين. ففي المرّة الأولى طُعنّا غدراً في الظهر، لكننا هذه المرّة لن يغدرَنا مجدداً العدوّ القاتل الذي يأتينا متستّراً بملاك النور، إذا غُدرنا في المرّة الأولى بقوة السلاح، سننتصر هذه المرة بقوّة الوعي والتنبّه لفخاخ العدو الساعي إلى إبادة قيمنا الإنسانية والروحية والأخلاقية والعائلية ووحدتنا الوطنية في وجه التدخلات الخارجية وسلطة المال". واختتم: "نصلي معكم اليوم مجددين ثقتَنا بالرب يسوع أول الشهداء، ومتيقّنين بأن لا سلطة لأحد على محو الحقيقة، وبأنه ستكون لها في النهاية كلمةُ الفصل". 

محطة اخرى حملت الى الضيوف الاساقفة وجها مختلفا من ارمينيا. في مكتبة الكتب الاثرية والمخطوطات القديمة، جالوا في عنابر التاريخ القديم جدا، الى اكثر من 1500 عام من القصص والابداعات البشرية في الكتابة والشعر والدين والفن...