EN | FR

مجلس البطاركة والاساقفة الكاثوليك في لبنان
اللجنة الأسقفية لوسائل الإعلام في لبنان
المركز الكاثوليكي للإعلام في لبنان

يوحنا العاشر ترأس مراسم جنازة المطران يوحنا منصور: ضاعفت الوزنات المعطاة لك وبلاغة تواضعك محفورة في ذاكرة أجيال كثيرة

الخميس 05 نيسان 2018


وطنية - ترأس بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس يوحنا العاشر صلاة الجناز لراحة نفس مطران اللاذقية وتوابعها يوحنا منصور في كاتدرائية مار جرجس - اللاذقية، بمشاركة مطارنة حوران وحمص وعكار وطرابلس وزحلة وحماه: سابا إسبر، جورج أبو زخم، باسيليوس منصور، أفرام كرياكوس، أنطونيوس الصوري، ونقولا بعلبكي، والأساقفة: أثناسيوس فهد، ديمتري شربك، إيليا طعمة، كوستا كيال، غريغوريوس خوري، ويوحنا بطش، ولفيف من الآباء الكهنة والشمامسة والرهبان والراهبات.

حضر صلاة الجنازة ممثل الرئيس بشار الأسد محافظ اللاذقية اللواء إبراهيم خضر السالم، ممثل البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي المونسنيور أنطون ديب، ومطران حمص للسريان الأرثوذكس سلوان نعمة، وشخصيات روحية إسلامية، وحشد من أبناء الأبرشية.

وكان الجثمان قد سجي في الكنيسة لمدة يومين، وسط الصلوات على وقع قرع الأجراس والتراتيل التي أدتها جوقة الأبرشية.

يوحنا العاشر
وألقى البطريرك يوحنا العاشر عظة قال فيها: "أيها الأب الحبيب يوحنا، أيها الراحل الكريم، انطلق وامض إلى معشوقك الذي أحببت كل أيام حياتك. أنت ماض إليه، وهو يسمعك صوته العذب قائلا: "نعما لك أيها العبد الأمين، لأنك كنت أمينا في القليل، فاليوم أقيمك على الكثير، ادخل إلى فرح ربك". لقد عرفتك منذ خمسين سنة ويدك مشدودة إليه وإصبعك، متمثلا شفيعك، دال عليه ولسان حالك: هذا هو فاتبعوه. كنت تمحي أنت ليزداد هو. من تحنان الله أتيت إلى كنيسته، فاسمك في العربية يعني "حنان الله"، اختبرت الحياة معه أولا في بيتك وفي كنف عائلتك وكنت في طليعة أولئك الشباب الذين سلموا قلوبهم للروح فأسسوا حركة الشبيبة الأرثوذكسية، وأنت في تفتح فتوتك. فكنت تقضي أيامك بين التعليم والرياضات الروحية متنقلا من قرية إلى أخرى. ومع تذوقك حلاوة العيش في حضرة ربك، اختطت البتولية تكرسا كاملا له، وانتهجت السيرة الرهبانية سبيلا إليه".

أضاف: "ذهبت بصحبة رفاقك في الدرب إلى دير مار جرجس الحرف لكي تعيدوا إلى الحياة، الرهبنة التي انقطعت بسبب من أثقال تاريخنا القاسي في هذا الشرق. وعلى جبل عال من جبال لبنان، اخترت مع رفاقك عيشة الرهبنة، وفي الشظف والفقر والنسك، بدأتم بتأسيس الشركة الديرية. هناك في البرية استعذبت عشرة الله، مجتهدا في طلب خلاصك، ومكتفيا بربك، وبه وحده فقط. ومن هناك ساهمت في إنشاء رهبنة دير مار يعقوب الفارسي المقطع في دده الكورة للأخوات الراهبات. غير أن حبك له سرعان ما انعكس فيك حبا لأبنائه، فدعاك إلى السعي وراء خلاصهم هم أيضا، فاقتفيت أثر آباء كبار في كنيستك الأنطاكية، كالذهبي الفم وباسيليوس الكبير، فانتقلت من العيش في البرية إلى العيش في وسط العالم، غير أنك نقلت معك حياة الصلاة وعيشة الزهد والروح البشارية الحارة باذلا ذاتك، بالكلية، لخدمة شعب الله وتثقيفه وترقيه".

وتابع: "عرفت كل من كورة لبنان الخضراء وهذه المدينة المباركة معظم أعمال جهادك وأتعابه، في سبيل حفظ الأمانة المقدسة، التي استودعتها يوم رسامتك الكهنوتية. كنت أسدا في دفاعك عن الشرعية الكنسية إبان الأزمة التي عصفت بكنيستنا في ستينيات القرن الماضي. ما وهنت مرة، وما أعاقتك الإهانات ولا العوائق الكثيرة التي وضعت في دربك خصيصا لإضعافك. في تلك السنوات الأربع، أطلقت في هذه الأبرشية نهضة روحية ما لبثت أن امتدت لتغني الكثيرين بالحياة الفضلى والسيرة الفاضلة. يشهد كرسي هذه الكاتدرائية على الساعات الطويلة التي كنت تتكىء إليه خلالها، واقفا متقبلا اعترافات المؤمنين التائبين. كما يشهد بابها الملوكي هذا على العظات المغذية للنفس التي أطلقتها منه زوادة للنفوس".

وقال البطريرك يوحنا العاشر: "بذرت في أجيال عديدة محبة الله وخليقته، وغذيت المئات، لا بل الألوف، بكلامك البسيط المليء بفرح الرب، وبإرشادك الروحي العميق. فكان لأتعابك في حراثة حقل الرب واهتمامك بتربية شعبه أن تثمر عشرات من رؤساء الكهنة والكهنة والرهبان والراهبات، عدا عن الكثيرين من المؤمنين، أفرادا وعائلات، ممن ساهموا بدورهم في إكمال مسيرتك ورعاية شعب الله، حتى ليكاد من صاروا، بفضل من تربيتك ومثالك، أساقفة، يشكلون نصف المجمع الأنطاكي الحالي، ومنهم ضعتنا الماثلة أمامك بوقار".

أضاف: "في هذه الأبرشية التي لا تزال نار الحب الإلهي متأججة فيها بفضل نفس خدمتك لها، فيذكر من جايلوك، ويذكرون الجيل الجديد، بكم الجهد والأسفار والعرق الذي بذلته من أجل استعادة المرحلة الثانوية في الكلية الأرثوذكسية، واسترجاع بستان المطران، ومثابرتك الدؤوبة، عشرين سنة، على تتبع وارثي الدار الكبيرة الملاصقة للمطرانية إلى بلاد الاغتراب في الأميركيتين، إلى أن نجحت وسجلتها للوقف. إلى جانب الكنائس الكثيرة التي نثرت في هذه الأبرشية مدينة وريفا، والأوقاف العديدة التي بنيتها، والأراضي التي ما كانت قد وهبت لولا ثقة الناس بطهرك الفواح، ونشدانك لمجد الله وعزة كنيسته فقط".

وتابع: "حيثما حللت كنت تبث وهج محبة الله والحياة الحق النابعة من عشرته. كم كنت تفرحنا حينما تقرأ علينا، أيام كنت كاهنا، ما قد نسخته على دفتر جيبك الصغير من أقوال آباء الكنيسة الروحيين. في ذلك الزمان، كنت الكتاب لمحبي الله حينما لم يكن الكتاب الروحي متوافرا. ما بارحك هذا العشق الإلهي يوما، وما بدء أسقفيتك الطويلة السنين بإنشاء دير للراهبات، واختتامها بآخر للرهبان إلا علامة دامغة على معرفتك الأصيلة والحية للتقليد المسيحي. ولا أنسى يوم قلت في تدشين كنيسة دير سيدة بلمانا: "الآن يمكنني أن أقول، الآن تطلق عبدك يا سيد بسلام". وكنت تتابع بكل دقة واهتمام مراحل العمل بكل أشكالها الروحية والرهبانية والمالية وسواها".

وأردف: "يؤكد من عرفك أنك قد ضاعفت الوزنات المعطاة لك على أفضل وجه. أما وجهك الباش الوديع وبلاغة تواضعك وبسمتك العذبة في أثناء خدمتك للقداس الإلهي بشكل خاص، فمحفورة بعمق في ذاكرة أجيال كثيرة. سر قبولك لعطايا الله عظيم يا أبي، وهو سر فرحك الدائم وسلامك المطمئن دوما. لقد نحتك تواضعك آنية خزفية، قابلة للمعطوبية، لكن ربك ارتضى أن يضع فيها الكثير من نعمه. بعدما اقتبلت بكل رضى كل شيء من لدنه، صرت، في شيخوختك الوقورة، مصدر بركة للكثيرين من أبناء وبنات الله".

وقال: "إذا ما استذكرنا غيضا من فيض إسهاماتك الروحية، فنحن لا ننسى مواقفك الوطنية والتي سجلها التاريخ خلال خمسين عاما في الدفاع عن سوريا وقضاياها وعن كلمة الحق في كل المجالات وفي كل الأوقات. ولا ننسى دورك في الحفاظ على أطيب العلاقات مع كل أطياف هذا المجتمع مسلمين ومسيحيين، فكنت واحدا ممن التحموا بحق مع كل أطياف هذا الشعب وشدوا أواصر لحمته بإعلاء كلمة الحق ومد جسور اللقيا والأخوة والحوار والانفتاح سبيلا للنهوض بالوطن".

أضاف: "ثمة من يرحلون بصمت دونما أثَر، أما أنت فتغادرنا مطمئنا لأن الشتلات التي زرعتها نمت وصارت شجرات وارفة الظلال. منحك ربك سنين كثيرة ولم يشأ أن يخطفك إلى مجده إلا بعد أن أتممت الرسالة بأفضل ما يمكن، وانتشر تلاميذك وأبناؤك حتى إلى أستراليا وإلى أقاصي الدنيا مذيعين بشرى المسيح السارة في أصقاع الأرض".

وتابع: "نعزيكم أيها الأحباء، أبناء أبرشية اللاذقية وتوابعها إكليروسا وشعبا، نعزيكم باسم آباء المجمع الأنطاكي المقدس وكل أساقفته، ونعزي كل أبنائنا في الكرسي الأنطاكي. سيدنا يوحنا، وأنت، من اليوم، في الملكوت السماوي، تسجد مع شيوخ سفر الرؤيا أمام عرش الرب، وفي غمرة أنواره، لا تنس أن تقدم مع بخور صلواتك السماوية، أبناءك وبناتك ورعية الله التي تركتها في هذه الأبرشية. صل من أجلي ومن أجلنا جميعا ومن أجل كنيسة أنطاكية، صل من السماء مع الملائكة القديسين من أجل أخوينا مطراني حلب بولس يازجي ويوحنا إبراهيم، صل من أجل السلام في كل العالم ومن أجل سلام سوريا وأمنها واستقرارها".

وختم: "امض أيها السيد وامكث مع الناهض من بين الأموات والذي داس الموت وقام ليقيمنا معه. نرى في وجهك يا سيدنا وداعة حاملات الطيب ووهج وجه يوسف المتقي. وبشوقهم للقيامة يحلو لنا أن نستبق الفصح المجيد ونطرق وإياك عتبات القبر السماوي ونتلمس من الخميس العظيم نور القيامة صارخين: المسيح قام، والموت تلاشى، المسيح قام وعبراتنا عليك معجونة بفرح القيامة، المسيح قام وموتك مسلك نور، المسيح قام ولاذقيتك تودعك بعبق صلاتك وعرفان وصلاة أبنائك، المسيح قام وأنطاكية كلها تشهد لك شاهدا وشهدا من أصالة إيمانها، وأنهي بما كنت أسمعه منك بشكل متواصل وبما كان عزيزا على قلبك وبما علمتنا أن نردده مستذكرا قولك: "قولوا هذه الصلاة في نصف النهار: سمر خشيتك في أجسادنا ولا تمل قلوبنا إلى أحاديث أو إلى أفكار شريرة، بل بشوقك اجرح نفوسنا" (إفشين الساعة السادسة)، وأستذكر أيضا ما كنت تردد وتقول من سفر نشيد الأنشاد: في الليل على فراشي طلبت من تحبه نفسي، طلبته فما وجدته، فطفت المدينة وبحثت عنه حتى وجدت من تحب نفسي فأمسكته ولم أرخه حتى أدخلته بيت أمي" (نشيد الأنشاد 3: 1-4) فأنت الآن تمسك به وهو يقيمك في قلبه فتفرح إلى الأبد، آمين".

كلمات
وفي نهاية الصلاة، كانت كلمة للرئيس الأسد ألقاها باسمه محافظ اللاذقية، وكلمة للبطريرك الراعي ألقاها المونسنيور ديب. ثم نقل الجثمان إلى دير سيدة بلمانا حيث ووري في الثرى.