EN | FR

مجلس البطاركة والاساقفة الكاثوليك في لبنان
اللجنة الأسقفية لوسائل الإعلام في لبنان
المركز الكاثوليكي للإعلام في لبنان

بو جوده من التبانة: وجودنا في هذه المنطقة رسالة وشهادة

الأحد 04 شباط 2018

وطنية - ترأس راعي أبرشية طرابلس المارونية المطران جورج بو جوده قداسا احتفاليا في كنيسة السيدة الأثرية في منطقة التبانة في طرابلس، لمناسبة اختتام سنة الشهادة والشهداء، عاونه فيه خادم الرعية الخوري جورج جريج وقيم مطرانية طرابلس المارونية الخوري حنا حنا والخوري سركيس عبدالله.

حضرت القداس الرئيسة العامة لراهبات القربان المقدس والمنسقة المحلية لassociation liban- Suisse الأم منى ماري بجاني وعدد من الراهبات، قائد اللواء الثاني عشر في الشمال العميد الركن يعقوب معوض، مستشار وزير الطاقة والمياه طوني ماروني، وعدد من المؤمنين.

في بداية القداس، ألقى جريج كلمة قال فيها: "نجتمع اليوم لنصلي على اقدم ارض تقدست بصلاة أجدادنا وأسلافنا منذ مئات السنين. على أرض عرفت أغلى التضحيات وسمعت آهات وصلوات المتألمين والمضطهدين الذين أبوا الا الثبات في ايمانهم وشهادتهم مهما كان ثمنها كبيرا. وتضحياتهم وثباتهم هو الذي سمح لنا اليوم ان نكون هنا ونكمل المسيرة".

أضاف: "نجتمع اليوم في مناسبة ثلاثية الابعاد ولكنها واحدة في الجوهر، فنحن اولا في ختام سنة الشهادة والشهداء، ونذكر الشهيد الكبير، الشيخ كنعان الضاهر، الذي استشهد في 2 شباط 1741 والذي إيمانه كان أقوى من حياته، وشجاعته أقوى من كل الظروف. وشهادته أثبتت ان اكليل النصر يحفظ دائما للمؤمن. وها نحن نعتبره حاضرا اليوم معنا ونذكره في كل آن، في حين ان آخرين كانوا أهم منه في عصره لا نتذكر حتى اسماءهم. ونحن ثانيا نحتفل بوجود ذخائر قديسين عظيمين بيننا بشكل دائم، القديس شربل وسان نيكولا دو فلو. فالقديس شربل غني عن التعريف في بلدنا. والقديس نيكولا دو فلو شفيع سويسرا، هذا المؤمن الذي ترك عائلته الصغيرة، ليلتقي اكثر بالرب، وكان لهذا اللقاء الاثر الحاسم في توحيد صفوف المتقاتلين في زمنه وتوحيد سويسرا وايجاد نظام يجمع الجميع على اختلافهم".

وتابع: "لهذا وبمحبة كبيرة من الام الرئيسة منى ماري، عرفت المسؤولين في منظمة ass lib suisse، على الدور الذي تلعبه هذه الكنيسة والمدرسة في هذه المنطقة. من علامة رجاء وسلام، وجمع للمتقاتلين، والعمل على زرع فكر جديد مبني على الحوار والتلاقي وقبول الآخر. فزارنا وفد من المنظمة، بعد ان أخذنا بركة وموافقة صاحب السيادة، وفرحوا بأن هناك كنيسة في التبانة، المنطقة الأفقر التي تعيش الحروب، وهناك ايضا مدرسة يجتمع فيها المتقاتلون في النهار، يلتقون ويتكلمون. ويتقاتلون بعد الظهر. واكثر ما ادهشهم رؤية رجال ونساء من طوائف متعددة يستمعون لكاهن ماروني ويعملون بتوجيهاته وهم على افضل العلاقات معه، بل اكثر، يتحلقون حول المطران الماروني، بل يتعمشقون به، كلما زار المدرسة والكنيسة، ولا يتركونه الا بعد ان يتصوروا جميعهم معه ويأخذوا بركته. نحن تعودنا على هذه المشاهد ولكن صدقوني بالنسبة للذين يعيشون خارج حدود منطقتنا انها لمعجزة. ولهذا وجد المسؤول عن المنظمة اننا نحقق ما يسعون اليه من روحانية شفعائهم، القديس شربل وسان نيكولا، خاصة اننا نعيش عمليا مبادىء القديس نيكولا بالسعي الى السلام، عبر الحوار والتربية والموسيقى والطبيعة. ولهذا ارسلت ذخائر هذا القديس لتكون مع ذخائر القديس شربل تحت جناج ام الكنيسة، سيدة الحارة علامة اكيدة على وحدة الكنيسة وصورتها الجامعة وعملها الموحد النابع من رأسها يسوع المسيح".

وقال: "نحتفل ثالثا، بنعمة كبيرة وفريدة لابرشيتنا وكنيستنا، خمسون سنة من كهنوتكم يا صاحب السيادة التي قضيتم اكثرها تجولون في انحاء هذا الشمال الحبيب تحملون كلمة الله لكل انسان تلتقون به. اي مدينة او قرية لا تعرف الخوري جورج بو جودة، او لم يخيم فيها مع فريق من العلمانيين، يعيشون مع الناس، يسمعون همومهم لينقلونهم الى عمق كلمة الرب. وقد كان لي حصة كبيرة عندما كنت على مقاعد المدرسة لنتعرف اليكم في j.m ونعمل منكم ونعرف ما هو كم الوزنات التي وضعها الرب فيكم وقد عملتم على استثمارها بافضل وجه، ولهذا اختاركم الرب اسقفا في كنيسه لاكمال مسيرة شهادة وعطاء لا تنته، بل انتم اليوم، لم تعتبروا ان كل هذا العمل والبشارة والشهادة على مدى خمسين سنة يعطيكم الاستعداد للراحة، لا بل على العكس نراكم كل يوم تحملون هم الكنيسة، وتتشوقون للعودة الى المخيمات والسهرات الانجيلية وحمل البشارة الى كل قلب كما كنتم دائما".

أضاف: "صاحب السيادة، في هذا الشهر الذي تتناسب فيه الذكرى الخمسون لسيامتكم الكهنوتية، نتقدم منكم باسم كل ابناء رعيتنا باصدق عبارات المحبةـ ونصلي ليعطيكم الرب عمرا طويلا تكملون فيه مسيرة مميزة من تاريخ الكنيسة،وخصوصا أنكم كنتم دائما كأسقف، مثال الاب الحنون الذي يحنو على ابناء بيته. وقد كان لهذه الرعية في قلبكم وفكركم حصة كبيرة. فكم من المرات اتصلتم لتطمئنوا علينا خلال سنوات الحرب، ولم تقبلوا ولا اي سنة الا ان تختتموا شهر ايار برغم الظروف الصعبة التي كنا نعيشها، مساويا لنفسكم بكل واحد من ابناء الرعية: اذا كم مرة عندما كنا نقول لكم: يا سيدنا منخاف عليك، الوضع منو منيح. كنت تجيبني دائما: اذا انتو جايين تقدسوا انا جايي، انا متلي متلكم، مني احسن منكم. وكنتم بشهادة المراجع الدينية والقوى الامنية اول مرجع ديني يزور المنطقة غداة الخطة الامنية، وجلتم في شوارعها وازقتها. وما هذه الا علامات لايمانكم العميق بالرب ورؤيتكم البعيدة وتحقيقكم لشعاركم الذي عشتوه بكل الطرق: الويل لي ان لم ابشر. وهذا ما دفعنا يا صاحب السيادة، ان نحذو حذوكم، لانكم مثال حي امامنا. ونثبت في هذه المنطقة وننسج افضل العلاقات مع الناس وقادة المحاور والجيش والقوى الامنية، ولا نخاف الا من الخالق عز وجل. لتبقى هذه الكنيسة شاهدة ونكمل مسيرة اجيال لن تتوقف. مثالكم اعطانا القوة والرؤية الى اننا صورة المسيح وصورة الكنيسة في هذه المنطقة الاكثر فقرا والاكثر حربا، وهذه ارادة الرب فينا.

وختم: "إخوتي، أصر صاحب السيادة على رفض كل هدية لمناسبة يوبيلها 50، وطلب من الجميع التبرع لمؤسسة مار انطونيوس البادواني الاجتماعية - ميتم كفرفو، لبناء جناح جديد يضم الصبايا ما فوق ال 14 سنة، فيحميهم من غدر الزمان، في بيئة تربوية وايمانية، لهذا الدعوة مفتوحة لكل واحد منا لاننا كلنا معنيون. ونحن كرعية سيدة الحارة سيكون لنا ايضا خطوات مرافقة لدعم هذا المشروع الريادي والضروري. ولكن يا صاحب السيادة، احببنا ايضا، الى جانب تبرعنا للميتم، ان نترك ذكرى من ختام سنة الشهادة والشهداء، ومن احتفال اليوبيل. ذكرى بسيطة من القلب، لانكم دائما تضعوننا في قلبكم. شعاركم: الويل لي ان لم أبشر، 50 سنة في خدمة الرب وشعبه، أطال الرب بعمركم جميعا، واعطانا النعمة ان نبقى دائما شهودا هنا وفي كل مكان".

بو جوده
بعد الانجل المقدس ألقى بو جوده عظة قال فيها: "كلمة شكر اولا للأبونا جورج على تنظيمه هذا اللقاء والكلمة التي قالها في هذه المناسبة ما يدفعني الى فحص ضمير للتأكد بأنني قمت بواجبي مثلما طلب مني الرب خلال فترة الخمسين سنة في الكهنوت في هذه العائلة الروحية التي احتفلت السنة بال 400 سنة على موهبة مؤسسها القديس منصور دو بول هذا القديس الذي لقب بأبو الفقراء وكان هدفه حمل كلمة المسيح الى العالم، حتى في أيامه وصل المرسلين الى مدغشقر والهند بالقرن السابع عشر، وكان الفقير بالنسبة له مثلما يقول المسيح بالانجيل "صورة المسيح"، ففي انجيل متى بالفصل 25 يقول "من يطعم الفقير يكون قد اهتم بي" ومار منصور كان يقول لبنات المحبة والراهبات وللكهنة ولجمعية سيدات المحبة التي أسسها "ان رأيتم فقيرا معدما وثيابه ممزقة وعاري وحافي القدمين لا ترفضوه بل اقلبوا الصورة وسترون على الوجه الآخر صورة المسيح".

أضاف: "هذه دعوتنا ان نكون اولا شهود المسيح، هذه المسؤولية التي حملهم اياها للرسل "تكونون لي شهودا في اليهودية والسامرة والى اقراص الارض" وان نكون شهودا قد يوصلنا الى ان نكون شهداء لأن الانسان لا يقبل دائما بالحقيقة بل يرفضها وهذا ما حصل في تاريخ الكنيسة، من بدايتها عرفت الكنيسة بأنها "كنيسة الشهداء" فالمؤرخ الفرنسي دانيال روبز كان يقول عن القرون الاولى للمسيحية عصر الرسل والشهداء، من ايام نيرون عندما أحرق روما واتهم المسيحيين بأنهم أحرقوها وبدأ الاضطهاد واستمر نحو ثلاث مئة حتى ايام قسطنطين. ولكن عصر الشهادة والاستشهاد لم ينته عندما انتهت هذه المرحلة مع قسطنطين، فكل تاريخ الكنيسة لغاية اليوم هو كنيسة الشهادة والاستشهاد".

وتابع: "نتوقف عند بعض المراحل في القرون الاخيرة، ويقول البابا القديس يوحنا بولس الثاني بأن القرن العشرين المنصرم كان من أكثر القرون التي رأت فيها المسيحية استشهادا في سبيل ايمانهم، واعطانا مثلا حكم النازي مع هتلر فكم من مسيحيين استشهدوا مع الحكم النازي، وهتلر كان كاثوليكيا. مع الحكم الشيوعي ستالين وغيره من حكام الاتحاد السوفياتي واوروبا الشرقية مع الثورة الفرنسية، وفي فرنسا، بنت الكنيسة البكر في القرن السابع عشر والثامن عشر عند قيام الثورة الفرنسية تم اغلاق الكنائس وطرد الرهبان والراهبات واضطهد المسيحيون وبدأ عصر الارهاب. في المكسيك، البلاد الكاثوليكية أوائل القرن العشرين وبقيت لأيام يوحنا بولس الثاني تعلن علمانيتها ورفضها للكنيسة. اسبانيا، بين سنة 1936 و 1939 مئات وألوف من المسيحيين استشهدوا في سبيل ايمانهم بالمسيح. بكنيستنا الشرقية حدث ولا حرج، ونحن عندما اعلن سيدنا البطريرك ومجلس الاساقفة هذه السنة انها سنة شهادة واستشهاد تمتد لغاية 2 اذار عيد مار يوحنا مارون، ذكر عددا من الشهداء بينهم البطريرك دانيال حدشيتي والبطريرك جبرائيل حجولا الذي استشهد في طرابلس كلهم رفضوا انكار ايمانهم وفضلوا الموت فكانوا قدوة للكثير".


وقال: "اليوم في الانجيل سمعنا عن حبة الحنطة "ان لم تقع في الارض وتمت تبقى مفردة" لم يكن الاضطهاد ابدا سببا في ضعف الكنيسة بل على العكس كان داعيا لتقوية الكنيسة وتثبيتها. أحد آباء الكنيسة يقول ان دم الشهداء هو زرع لمسيحيين جدد، حبة الحنطة تبقى مفردة اذا لم تمت واذا ماتت تعطي ثمارا كثيرة. ما الذي يضعف الكنيسة؟ نحن واهمالنا وفي كل مرة ينسى المسيحيون انهم سيكونون شهودا وشهداء كانت تضعف وتتشرذم الكنيسة وتنقسم. فالانقسام الذي حصل في الكنيسة كان نتيجة هذه الانانية التي سيطرت على ابناء الكنيسة والمسؤولين وعلى الكهنة والبطاركة والاساقفة والباباوات وهذا ما يضعف الكنيسة. اليوم اذا كنيستنا ستبقى هكذا بهذا الروتين وبهذه الرتابة فالسلام عليها، ولكن لا، لأن كنيستنا ستظل كنيسة الشهداء. وجودنا بهذه المنطقة من العالم يجب ان يكون شهادة ولو كنا عددنا اقل. نرى اخوتنا في البلدان المجاورة كم يتعرضون للاضطهاد ولا يقبلون ان ينكروا المسيح، ونأخذ مثلا اخوتنا الاقباط في مصر عندما اعتقل عدد منهم واخذوهم الى ليبيا وتم تخييرهم بين ان ينكروا ايمانهم والموت فقالوا بالروح بالدم نفديك يا صليب، بالروح بالدم نفديك يا يسوع. استشهدوا ولم يقبلوا بأن يتخلوا عن ايمانهم. اليوم ابونا جورج تكلم عن الشيخ كنعان وغيره".

وختم بو جوده: "الكنيسة اكبر علامة عن الشهادة التي سنحملها ونحن سنبني علاقات انسانية مع اخوتنا من مختلف الاديان والطوائف وكل واحد منا حر بايمانه ولكن يجب ان يكون لدينا الجرأة لعيش هذا الايمان هنا ولو كنا بكنيسة صغيرة او بمنطقة وجودنا شبه معدم عدديا فيها ولكن وجودنا فاعل وجودنا رسالة. وكلنا نعرف ابونا راشد في الابرشية، تذكرته من التبانة وهذا يعني انه توجد خميرة وهذه الخميرة ستخمر ونحن علينا ان نكون خميرة في هذا المجتمع، ويجب ان نكون كحبة الحنطة والخميرة بالعجين ليكون تأثيرنا فاعلا في هذا المجتمع والبلاد والعالم العربي الذي هو بأمس الحاجة للمحبة لأن الاستشهاد علامة محبة وكما يقول المسيح: "ليس من حب أعظم من حب يبذل نفسه في سبيل احبائه".

في ختام القداس قدم جريج باسم رعية السيدة في التبانة هدية تذكارية لبو جوده لمناسبة يوبيله الذهبي الكهنوتي، وأقيم كوكتيل في الباحة الخارجية للكنيسة.