EN | FR

مجلس البطاركة والاساقفة الكاثوليك في لبنان
اللجنة الأسقفية لوسائل الإعلام في لبنان
المركز الكاثوليكي للإعلام في لبنان

الروح القدس رمضان وعنصرة الإنسانية

الأحد 20 أيار 2018   الأب عبدو رعد المخلصي - خاص النشرة

 

الروحالقدس​! هو روح الله الكائن منذ البدء في الله ومع كلمته. في سفر التكوين نقرأ: "في البدء خلق الله السماوات والأرض... وكان وروح الله يرف على وجه المياه". به كل شيء كُوّن وخُلق. هو الروح الذي يَعلم كل شيء حتى أعماق الله، كما لا يعلم أعماق الإنسان إلا روح الإنسان نفسه.

ومنذ البدء وهو يعمل في بني البشر كي يتقدسوا ويتجددوا بالنقاء والصفاء. في سفر حزقيال نقرأ "أنا الرب إلهكم وليس غيري ولا يخزى شعبي إلى الأبد ويكون بعد ذلك إني اسكب روحي على كل بشر فيتنبأ بنوكم وبناتكم ويحلم شيوخكم أحلامًا ويرى شبابكم رؤى وعلى العبيد أيضًا وعلى الإماء اسكب روحي..."

إنه "روح الحكمة والفهم، روح المشورة والقوة، روح المعرفة ومخافة الرب"، كما نقرأ في سفر أشعيا، يتكلم بالأنبياء والمرسلين كي يعيدوا الصواب إلى من فقد الصواب، ويخرجوا الشياطين، ويشفوا المرضى ويقيموا الموتى.

إنه الروح الذي حلَّ علىمريم العذراء​، ولذلك دُعي القدوس المولود منها ابن الله. وحل بهيئة منظورة على الكلمة المتجسدة، يسوع، بشكل حمامة خلال معموديته واقتاده كل حياته ليعلّم ويشفي ويضحي بنفسه من أجل البشر، كما نقرأ فيالإنجيل​.

وهو بعد القيامة، الذي حل على الرسل لينشروا البشرى الطيبة.

إنه الأقنوم الثالث في الله: (المصدر والكلمة والروح = ألآب والابن والروح القدس). وكلمة أقنوم تعني من يتميز عن سواه دون انفصال أو انقسام. وكما الكلمة، هو أزلي أبدي، مولود غير مخلوق وغير محدود.

إنه المنير. لن يترك مظلمي القلوب والبعيدين عن حياة الله بسبب الجهل وغلاظ القلب، بل سينير عقولهم بكلمة الحق، فيرى كل واحد ما هو عليه وأين يسير، فتنقشع الظلمات عن عينيه، ويغلب روح الضلال بسيف الروح.

وهو المجدد. به نولد ثانية ونبدأ حياة جديدة روحية على مثال نيقوديموس، فنكره الخطيئة ونحب الصلاح ونختار القداسة؟

وهو المقدّس. يطهّرنا من كل نجاسة ويغسلنا من كل شر وينمي فينا قدسية المشاعر والعواطف، وينعم على قلوبنا بروح التعزية فنتشدد بالرجاء الذي لا يخيب.

وما شأن رمضان مع الروح؟

شأنه شأن الذي يصوم ويصلي ليحيا بالله وليتحد به، ولا حياة بالله إلا من خلال روحه القدوس. فالروح القدس في القرآن، والذي يبدو وكأنه جبرائيل، يمتد ليكون أبعد من ذلك. هو نور من الله ورحمة. هو من اختصه الله بمعرفته وبإدراك سر مكنوناته، "هو الذي استأثره الله بعلمه"، كما نقرأ في سورة الإسراء، وهو "الذي يحيي الأموات والقلوب"، كما نقرأ في سورة البقرة. إنه روح الله وسبب الحياة كما جاء عند الرازي. وهو روح المسيح الذي يحرر من مسّ الشيطان، ويؤيد عيسى ابن مريم ومريم. "هو اسم الله الأعظم الذي كان عيسى به يحيي الموتى."

هو روح الله الأزلي غير المخلوق ولا يحتاج إلى قول "كن" ليكون لأنه كائن مع الله منذ الأزل، هو الذي خلق عقول الخلق... ونبقى عاجزين عن إدراك مكنوناته، ولا سبيل لإدراكه بوسائل العقل البشري وتصوراته المحدودة: "وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلا".

ومهما اختلف القول في سبر أعماق الروح القدس، تبقى حاجتنا جميعا واحدة، أن يحل هذا الروح علينا! إنه روح الله في جميع البشر.

إنه روح الحق الذي يرشد الجميع إلى الحق ويشهد لكلمة الله، وروح الفهم الذي يجعلنا نسبر أعماقها، إنه عطية الله الأعظم لنا. وهل أعظم من أن يعطي الإنسان روحه وكلمته، يعني أن يعطي ذاته، فهكذا عطية الله للبشر هي ذاته وروحه وكلمته.

علواه لو فهم البشر عظمة هذه العطية! لتحققت عنصرة الإنسانية!

تعالوا نسبر أعماقنا لنعيد اكتشاف روح الله في داخلنا، فنخرج إلى النور بعنصرة جديدة يتفاهم فيها الجميع مع الجميع ويفهم فيها الجميع على الجميع، مستنيرين بفكر الرب، عالمين أننا هياكل الله، وروح الله ساكن فينا.

تعالوا ندع الروح القدس يستخدمنا ولا نستخدمه لنزواتنا ومصلحتنا الشخصية ورغباتنا السلطوية.

تعالوا من أسفل الهرم إلى أعلاه، من المواطن، إلى الحاكم، نستلهم روح الحق والحب والخدمة والتضحية في تصرفاتنا، ليثبتنا في السلوك الحسن ويبعد عنا كل غش وكذب وينعم علينا بالصدق والاستقامة في كل قول وعمل.

ولماذا لا يكون رمضان عنصرة وحلولا للروح القدس؟ ولماذا لا يكون تجديدا لنفحة الله في إنسان؟ أليس هذا هو هدفالصلاةو​الصيامفي كل الأديان؟.

ليكن رمضان شهرا لاستدعاء الروح القدس! ولتكن عنصرتنا نعمة فوق نعمة وامتلاءً من الروح القدس فيحل علينا كما حل على جميع الأمم فنمتلئ من الفرح، ونتكلم بألسنة التفاهم ونخدم الإنسانية ونعظم الله معا. وكل عنصرة وأنتم بخير