EN | FR

مجلس البطاركة والاساقفة الكاثوليك في لبنان
اللجنة الأسقفية لوسائل الإعلام في لبنان
المركز الكاثوليكي للإعلام في لبنان

كلمة الأستاذ انطوان تيان خلال الندوة الثالثة حول "التربية في الكتاب المقدّس" في المركز الكاثوليكي للإعلام

 

كلمة الأستاذ انطوان تيان

رئيس نادي العلوم

حول ندوة "التربية في الكتاب المقدّس"

في المركز الكاثوليكي للإعلام 17 تشرين الثاني 2016

 

تربية بيئية مسؤولة عن  الكتاب  المقدس

 

ورد اسم لبنان في الكتاب المقدس 70 مرة، والأرز 75 مرة وقد وُصِف بجبلٍ أبيض تكلله الثلوج وتغطيه الغابات ذات الرائحة البخورية، و يتزعم أشجاره الأرز العظيم ، أرز الرب مفخرة الملوك ومشتهى العظماء.

يتغنى الكتاب المقدس بطبيعة لبنان الخلابة واخضراره الدائم ومياهه الغزيرة العذبة وغاباته الكثيفة، على أنه مبعث إلهام لأنبياء الكتاب المقدس.

اعتبر الأنبياء لبنان جنة الخلود والأمل المنشود فاستعاروا من بيئة لبنان بياض ثلوجه، وارتفاع جباله، وأخضرار أشجاره، وتفجر ينابيعه لوصف الملكوت.

العناصر البيئية التي تميز هذه البقعة من الأرض أعطتها اسماً يعبر عنها فكان لبنان. أي الأبيض لأن جباله قديماً كانت تكللها الثلوج معظم أشهر السنة ومنها على مدار السنة.

وأيضاً أسم لبنان يعني اللبان وهو من أجود أنواع البخور. وهذا يتلاءم وأنواع الصموغ البخورية التي تنتجها أشجار لبنان مثل الأرز والسرو والشربين والصنوبر. فغابات لبنان كانت "وليتها تعود" تفوح منها روائح البخور وكأنها مبخرة تبخرّ مجد الله الخالق. ففي سفر هوشع" ورائحته كلبنان...  فيكون ذكره كخمر لبنان".  (هو 14: 6 - 8) وأيضاً في سفر نشيد الأناشيد : " شفتاك تقطران شهدا أيتها العروس وتحت لسانك عسل ولبن وعرف  ثيابك كعرف اللبان" أي " ورائحة ثيابك كرائحة لبنان" ( نش 4 :11)،

"مجد لبنان يأتي إليك ( أشعيا 60  : 13  )

 كما استعار الكتاب المقدس من بيئة لبنان تشابيه ليعظم الملوك ويكرم الصديقين

"كالأرز في لبنان ارتفعت وكالسرو في جبال حرمون".

ذكر لبنان وعناصر بيئته في الكتاب المقدس دليل على أنه مصدر الهام لشعراء سكان البلاد المجاورة. يعود كل هذا لجمال طبيعته ووفرة خيراته.

"الصديق كالنخلة يزهو، كالأرز في لبنان ينمو" (مزمور 92 : 12 )

وبالعودة الى سفر نشيد الأناشيد الذي هو في الأساس ملحمة حب بين عروسين حيث العريس لم يجد أجمل من بيئة لبنان لوصف جمال عروسه،  فيشبهها بها. والعروس بدورها تحذو حذوه. "هلمي معي من لبنان أيتها العروس هلمي معي من لبنان."

وجرياً على عادة الأنبياء لم يجد هوشع أجمل من لبنان ليصف الحال التي سيكون عليها الشعب، إن رجع الى الرب وترك عبادة الأصنام.

إن بيئة لبنان هي كجنة الله كما جاء على لسان النبي حزقيال

مع كلّ هذه الامتيازات التي احتلّها لبنان في الكتاب المقدّس، لم يفهم حجم المسؤولية التي تقع على عاتقه ولم يفهم اللبنانيون ان كل ما ورد في الكتاب المقدس عن لبنان  ما هو الا وزنة مميزة اعطانا اياها الخالق وهي بيئة مميزة علينا المحافظة عليها والعناية بها لتبقى نموذج لكل من اراد فهم الكتاب المقدس.

بيئة لبنان جنة الله على الأرض أين نحن منها اليوم ؟

لقد أخفقنا  في تحمل هذه المسؤولية والسبب يعود الى تربية لا تعلمنا شيئاً سوى التباهي بأمجاد وأساطير دون أن تعلمنا معناها ومغزاها.

 السؤال المطروح اليوم. لماذا لم يذكر الكتاب المقدّس وطناً بأجمل الأوصاف كما ذكر لبنان؟

لأن الله الخالق جعل من بيئة لبنان  نموذج عن جنته يتجلّى على جبلها ويرشد ابناءه اليه من خلال عنصرها ومن أريج بساتينها يفوح عطر محبته.

فهنا  يكمن حجم مسؤوليتنا تجاه الله الخالق في المحافظة على هذا النموذج كي يبقى الكتاب المقدس مفهوم ودليل الى طريق الرب.

فنحن مدعوون  الى أعتماد  تربية بيئية مميزة

ففد أَعْطانا  أالخالق الوَزَنات الخَمس ...

لا يجب ان تعتمد هذه التربية  على المفاخرة بالأمجاد والتباهي بها بل يجب أن تجعلها حافزًا للمثابرة وبذل الجهود الحثيثة لمضاعفة هذه الوزنات فنسمع صوته يقول لنا «أَحْسَنْتَ أَيُّهَا المربي ٱلصَّالِحُ وَٱلْأَمِينُ!‏ كُنْتَ أَمِينًا عَلَى القَلِيلٍ،‏ فَسَأُقِيمُكَ عَلَى الكَثِيرٍ.‏ اُدْخُلْ إِلَى فَرَحِ سَيِّدِكَ». 

لهذا فإننا نجد أنفسنا أمام تحدٍّ تربوي كبير

المطلوب تربية وروحانية إيكولوجية  والسعي إلى نمط آخر من الحياة ...

أرز الرب –موطنه- بيئتنا والحفاظ عليه مسؤوليتنا وهذا يتطلب تربية بيئية مسؤولة عن استمرارية مسيرة الشعوب نحو الخالق.

جبالنا موطئ قدميه -عليها يتجلى- وشموخها مسؤوليتنا وهذا يتطلب تربية بيئية مسؤولة عن ظهور الرب للعالم أجمع.

بياض ثلوجنا يعكس نصاع حبه وطهارتها مسؤوليتنا وهذا يتطلب تربية بيئية مسؤولة عن  إفساح المجال امام أبنائه لاختبار الحب الإهي.

اخضرار أشجارنا رمز حياته التي وهبنا أياها وسلامتها مسؤوليتنا وهذا يتطلب تربية بيئية مسؤولة عن استمراريتها كي يتمتع بها أحباؤه.

عذوبة مائنا  رمز طهارة قلبه الحنون وصفاؤها وخلوّها من كل تلوّث مسؤوليتنا وهذا يتطلب تربية بيئية مسؤولة عن جريانها في عروق من هم على صورته فلا يعطشون ابداً.

بهوائنا تتسلل ذبذبات صوته ونقاؤه مسؤوليتنا وهذا يتطلب تربية بيئية مسؤولة عن تردد صداه في اقاصي الأرض فتسمعه خرافه.

صموغنا البخورية –جودته- مسؤوليتنا وهذا يتطلب تربية بيئية مسؤولة عن هذه المبخرة التي  تبخرّ مجد الله الخالق فيعبق أريج أجود أنواع البخور فتنشد شعوب الأرض أجمل التسابيح.

تغنى الكتاب المقدس ببيئة لبنان البيولوجية وتميزها وتنوعها التي هي نتيجة حتمية لبيئته الفيزيائية التي لا تقل روعةًعنها فتتناغم معها فترسم  أبهى لوحة عن جنة الملكوت.

لهذا ان وزنات التربية البيئية في لبنان مضاعفة والمسؤولية التي تقع علينا أكبر.

صحيح إنها ضرورية وأساسية في كافة الدول لكنها مميزة عندنا لأنها مسؤولة عن أمثلة الكتاب المقدس.

لهذا علينا أن نسعى لنتعلّم كيفية حماية محيطنا الطبيعي وإيجاد حلول فعالة ، ركائزها المعرفة الجيولوجية والايكولوجية الخاصة بهذا الموضوع . وهذا لايتمّ إلاّ من خلال التربية البيئية الصحيحة التي تعتمد الثقافة لا الشعارات والأشعار.

إنّ مستقبل البيئة في لبنان يتوقّف على وعيكم وإدراككم حجم التحدّيات واستعدادكم للوقوف في وجهها بالتمرّس والتطوّع والعمل المنهجي العلمي الهادف من خلال تربية بيئية مميّزة نابعة من اللاهوت البيئي تعلمنا أياه الكنيسة وهنا اعود وأشدد على تربية  ركائزها المعرفة الجيولوجية والايكولوجية.

إذ إن  البيئة بالمفهوم العلمي هي المكان الذي نحيا فيه في اطار التوازن الطبيعي المبني على العلاقات المتشعبة المترابطة بعضها بعض بشكل معقد ودقيق بين كافة الكائنات الحية بما فيها الإنسان ومحيطها الجيولوجي  لذا الدعوة للحفاظ على البيئة ليست محصورة فقط بزراعة النبات انما ايضا هي دعوة الى اعتماد نمط عيش صديق للبيئة  من خلال تصرفاتنا اليومية البسيطة التي تساهم بشكل كبير في ابعاد شبح التلوث والحد من تأثيره السلبي على حياتنا وخصوصا حياة أطفالنا مستقبل الأرض.

لذا علينا أن نعمل معاً يدًا بيد من اجل بيئة تؤمن نموًّا سليمًا ليسوع . لهذا ومنذ اللحظة الأولى لإتمام الخالق عمله اصبحت البيئة مسؤوليتنا والمحافظة عليها واستمراريتها من جيل الى جيل مهمتنا نحن المربين خاصةً.

صحيح ان هذه المهمة تتطلب منا ان ننقص فهذا النقصان الإيجابي يجعلنا من أعظم مواليد النساء.

ماذا فعلتم بجنة عدن ؟

ماذا فعلتم بالكتاب المقدس الحي؟

ماذا فعلتم بقدس أقداس الخالق؟

من هنا نحن جميعاً مدعوون ان نكون أداة في يد يوحنا المعمدان فنعمّد الأرض والإنسان بماء التربية على الإيمان  والأخلاق ونعمل معه في مهمة اعداد طريق الرب ونهيئ معه بيئة سليمة حاضنة لنمو يسوع.

صارخين مع المعمدان في بريّة عالم القرن الواحد والعشرين توبوا إلى الربِّ إن الملكوت قريب عودوا إلى الحبِّ عودوا إلى حبِّ البيئة.

المركز الكاثوليكي للإعلام