EN | FR

مجلس البطاركة والاساقفة الكاثوليك في لبنان
اللجنة الأسقفية لوسائل الإعلام في لبنان
المركز الكاثوليكي للإعلام في لبنان

كلمة القس الدكتور عيسى دياب خلال االندوة الثالثة حول "التربية في الكتاب المقدّس" في المركز الكاثوليكي للإعلام

 

القس الدكتور عيسى دياب*

حول ندوة جمعية الكتاب المقدس في المركز الكاثوليكي للإعلام

لمناسبة افتتاح أسبوع الكتاب المقدس، يوم الخميس 17 تشرين الثاني 2016

 

الكتاب المقدس والتربية على محبة الأرض

 

الأرض جزء من الخليقة. والخليقة منتوج إلهي، هكذا يُصرح الكتاب المقدس. يُصور النص الكتابي الخلق، في قصتي الخلق، كفعل متدرج: خلق السماء والأرض، تجهيز الأرض بالنور والتراب والماء لتحتضن الحياة بنوعيها النباتية والحيوانية، وخص الإنسان بعقل وبملكات النطق والتمييز والوعي: وعي الذات والآخر، وأهم شيء وعي الإله. وخصه أيضًا بقانون خلقي منبثق من الخلقية الإلهية.

وأوجد الله قانون الخلق المتكاثر، فالنبات يتكاثر، والحيوان يتكاثر، وهذا لزوم لاستمرار الحياة. والحياة البشرية هي ملكة الحيوات الأخرى. كل الخلائق تعيش باعتدال وتوازن وانسجام، وتؤمن التوازن البيئي ليخدم الحياة البشرية. وكلّف الله الإنسان حبيبه ليعتني بالأرض ويحرص أن يؤدي كل جزء من الخليقة دوره لتتميم القصد الإلهي من الخلق.

في البداية، كان عالم الله مفتوحًا على عالم الإنسان، وكانت الأرض جنة الله. وكان الله "يتمشى" في الجنة (تك 3: 8) ويتواصل مع الإنسان، والإنسان يتواصل مع الله في جو حميمي ملؤه الفرح والسلام: سلام بين الله والإنسان، وسلام بين الإنسان وأخيه الإنسان، وسلام بين الإنسان والحيوان، وسلام بين سائر المخلوقات والطبيعة.

وهكذا صارت الأرض الأحشاء التي تحضن الإنسان والمخلوقات، والرحم الذي يأوي ويحضن ويُنشأ ويبعث بلا حساب. من هنا أتت مقولة " أمنا الأرض". وصارت الأرض ساحة عمل الله لتطور الأولهة في الإنسان حتى تحقيقها.

وحدث أمر غريب لم يكن في الحسبان: أراد الإنسان أن يصير الله بعصيان الله. وكان الله قد أودعه الألوهة عند خلقه على أن تتحقق هذه الألوهة فيه بطاعة الله، ألا وهي المحبة الحرة. وبدخول العصيان البشري دخل جسم غريب في جسم خليقة الله. ودخل التشويش على خط التواصل بين الله والإنسان. وساءت الرؤيا، رؤيا الإنسان لله. ورأى الإنسان نفسه عاريًا من فضائل الله، فخجل من نفسه على حاله. ودخل على الإنسان الخوف من قوة الله. سعى الإنسان للاختباء من الله خوفًا وخجلاً. ودخلت اللعنة على الأرض فطلع شوكها يعيق نمو الزرع المبروك. وجاع الإنسان، فصار العمل سُخرة الحياة، بعد أن كان تكليفًا إلهيًا. وقتل الأخ أخاه حسدًا بعد أن كان مولجًا بالحفاظ عليه محبًا ومحبوبًا. وكثر الناس على الأرض فكثر الشر. وقد أدى شر الإنسان إلى خراب الخليقة.

إن استشراء شر الإنسان وتهديد الخليقة بمزيد من الخراب، وربما الزوال؟ جعل الله يتدخل لخلاص التقي وفداء خليقته من الزوال بعد أن خلقها ورأى كل شيء فيها حسنًا. وتفعلت محبة الله، فأوقف الخراب، وأتبع الإنسان بهذا الفعل الإلهي فعل توبة وعبادة، فقبل الله وتنسم رائحة الرضا، وقطع للخليقة وعدًا: "لا أعود ألعن الأرض أيضًا من أجل الإنسان... مدة كل أيام الأرض زرع وحصاد وبرد وحر وصيف وشتاء ونهار وليل ولا تزال" (تك 8: 21-22). ووثق الله الميثاق بصورة قوس سحاب، مع تكرار لكلمات الميثاق: "ها أنا مقيم ميثاقي معكم ومع نسلكم من بعدكم. ومع كل ذوات الأنفس الحية..... أقيم ميثاقي معكم فلا ينقرض كل ذي جسد أيضًا بمياه الطوفان. ولا يكون أيضًا طوفان ليُخرب الأرض. وقال الله هذه علامة الميثاق الذي أنا أضعه بيني وبينكم وبين كل ذوات الأنفس الحية التي معكم إلى أجيال الدهر. وضعت قوسي في السماب فتكون علامة ميثاق بين وبين الأرض" (تك 9: 9-13). إنه ميثاق سلام بين الله والخليقة، وهو ميثاق أبدي، فمن يستطيع أن يتكلم بعد ذلك عن خراب الخليقة؟

لقد تشكلت معادلة: شر الإنسان يُصيب الطبيعة باللعن، وتقواه تُهديها البركة.

وصارت الأرض ساحة صراع بين الخير والشر. فمن جهة، هي المساحة التي تحدث عليها الجرائم، وتُختلق فيها الشرور بوحي من توق الإنسان لتأليه نفسه بغير الطاعة الحرة لله؛ ومن جهة أخرى، هي  الفضاء الذي يجهد فيه ذوو النوايا الحسنة لتفعيل الحب الإلهي بوحي من الرسالة النبوية والرحمة الإلهية وعمل الروح.

وبسبب ثِقَل الشرور التي تحدث في الأرض، وصراخ دماء الشهداء والمظلومين الذي جبل ترابها، دبج بعضهم نظريات مفادها بأن الأرض إلى خراب ولا مجال لإصلاحها. ودعم هؤلاء نظرياتهم بنصوص كتابية اوّلوها لتقول بأن الله هو من سيأخذ المبادرة لإصابة الأرض بالخراب والدمار. وتسلّح هؤلاء بالرسالة النبوية التي تُنبئ بمجي "يوم الرب". فقد جاء في النبي يوئيل: "وَأُعْطِي عَجَائِبَ فِي ٱلسَّمَاءِ وَٱلْأَرْضِ، دَمًا وَنَارًا وَأَعْمِدَةَ دُخَانٍ. تَتَحَوَّلُ ٱلشَّمْسُ إِلَى ظُلْمَةٍ، وَٱلْقَمَرُ إِلَى دَمٍ قَبْلَ أَنْ يَجِيءَ يَوْمُ ٱلرَّبِّ ٱلْعَظِيمُ ٱلْمَخُوفُ" (يوء 2: 30-31). ويصفه النبي عاموس: "وَيْلٌ لِلَّذِينَ يَشْتَهُونَ يَوْمَ ٱلرَّبِّ! لِمَاذَا لَكُمْ يَوْمُ ٱلرَّبِّ؟ هُوَ ظَلَامٌ لَا نُورٌ. كَمَا إِذَا هَرَبَ إِنْسَانٌ مِنْ أَمَامِ ٱلْأَسَدِ فَصَادَفَهُ ٱلدُّبُّ، أَوْ دَخَلَ ٱلْبَيْتَ وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى ٱلْحَائِطِ فَلَدَغَتْهُ ٱلْحَيَّةُ! أَلَيْسَ يَوْمُ ٱلرَّبِّ ظَلَامًا لَا نُورًا، وَقَتَامًا وَلَا نُورَ لَهُ؟" (عا 5: 18-20).

لا، الأرض ليست إلى خراب ودمار، بل إلى بناء وإصلاح! وليس الله إلهٌ يغضب فيدمر ويخرب ما خلقه ورآه "حسنًا"، بل إله حب ورحمة فيفدي ويُصلح ما خرّبه شرُّ الإنسان من خليقته لكي يُرجعه إلى القصد الإلهي.

وعليه، فـ"يوم الرب" هو يوم الخلاص. هو اليوم الذي فيه "كل من يدعو باسم الرب يخلص"، على حد قول النبي يوئيل (يوء 2: 32). وإن كان لا بد من التخريب والحرق والتدمير فسيكون لإبادة الشر من الأرض الجديدة في الخليقة الجديدة. وما الخليقة الجديدة إلا الخليقة نفسها التي وعد الله بفدائها. وما أجمل هذه القصيدة اللاهوتية التي كتبها الرسول الحبيب بولس: "لِأَنَّ ٱنْتِظَارَ ٱلْخَلِيقَةِ يَتَوَقَّعُ ٱسْتِعْلَانَ أَبْنَاءِ ٱللهِ. إِذْ أُخْضِعَتِ ٱلْخَلِيقَةُ لِلْبُطْلِ -لَيْسَ طَوْعًا، بَلْ مِنْ أَجْلِ ٱلَّذِي أَخْضَعَهَا- عَلَى ٱلرَّجَاءِ،  لِأَنَّ ٱلْخَلِيقَةَ نَفْسَهَا أَيْضًا سَتُعْتَقُ مِنْ عُبُودِيَّةِ ٱلْفَسَادِ إِلَى حُرِّيَّةِ مَجْدِ أَوْلادِ ٱللهِ. فَإِنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ ٱلْخَلِيقَةِ تَئِنُّ وَتَتَمَخَّضُ مَعًا إِلَى ٱلآنَ. وَلَيْسَ هَكَذَا فَقَطْ، بَلْ نَحْنُ ٱلَّذِينَ لَنَا بَاكُورَةُ ٱلرُّوحِ، نَحْنُ أَنْفُسُنَا أَيْضًا نَئِنُّ فِي أَنْفُسِنَا، مُتَوَقِّعِينَ ٱلتَّبَنِّيَ فِدَاءَ أَجْسَادِنَا. لِأَنَّنَا بِٱلرَّجَاءِ خَلَصْنَا. وَلَكِنَّ ٱلرَّجَاءَ ٱلْمَنْظُورَ لَيْسَ رَجَاءً، لِأَنَّ مَا يَنْظُرُهُ أَحَدٌ كَيْفَ يَرْجُوهُ أَيْضًا؟  وَلَكِنْ إِنْ كُنَّا نَرْجُو مَا لَسْنَا نَنْظُرُهُ فَإِنَّنَا نَتَوَقَّعُهُ بِٱلصَّبْرِ.

ونوجز تعليم الكتاب المقدس حول الخليقة بالقول إن الخليقة مقبلة ليس على دمار بل على فداء إلهي. فالخليقة التي خلقها الله لتكون فضاء لتحقيق قصده الصالح لا يتركها تذهب للدمار والإندثار، حتى وإن ملأها الأشرار بشرورهم. وسريعًا ما يبادر إلى فدائها وإصلاحها.

إن تعليم نظريات دمار الخليقة تولد في المتعلم كراهية للخليقة، وعدم اكتراث بها وبمصيرها، وفي هذا الكثير من الاستخفاف بخليقة الله الصالحة وخيانة للتوكيل الإلهي.

هذه الخليقة التي " تُحَدِّثُ بِمَجْدِ ٱللهِ وتُخْبِرُ بِعَمَلِ يَدَيْهِ" (مز 19: 1)؛ هذه الخليقة التي تُري أظهر الله بها للإنسان ما لم يعرفوه عنه، " فمُنذُ خلَقَ اللهُ العالَمَ، وصِفاتُ اللهِ الخَفِـيّةُ، أي قُدرَتُهُ الأزلِـيّةُ وأُلوهِيّتُهُ، واضِحَةٌ جَلِـيّةٌ تُدرِكُها العُقولُ في مَخلوقاتِهِ" (رو 1: 20 ت م)؛ وهذه الخليقة التي خلقها الله حضنًا للإنسان يأوي إليه، ومستودعًا للخير يغرف منه، ومسرحًا يتمم عليه الخلاص؛ وهذه الخليقة التي هي هيكل الله وفيها يحضر الله في وسط شعبه؛...

هذه الخليقة تُحب ولا تُبغض! يُعتنى بها ولا تُهمل! يُحافظ عليها ولا تُترك! إن حب الخليقة من حب الله، وخدمة الخليقة من خدمة الله، والتمتع بخيرات الخليقة امتنان وشكر لله.

والوطن هو خليقة مصغرة حباناها الله، ومحبته من حب الله؛ وصونه من الإيمان والعناية به صون لكرامتنا وتعبير عن امتنانا لله.

هكذا يعلم الكتاب المقدس ! وعلى هذا الحب يجب أن تتربى أجيالنا.

 


* خبير ترجمة كتاب مقدس في الاتحاد العالمي لجمعيات الكتاب المقدس، واستاذ محاضر في جامعة القديس يوسف وكلية اللاهوت للشرق الأدنى، في مواد العهد القديم ودراسات ديانات العالم السامي (المسيحية والإسلام واليهودية). والقس دياب قس مرسوم في الكنيسة الإنجيلية الوطنية.

المركز الكاثوليكي للإعلام