EN | FR

مجلس البطاركة والاساقفة الكاثوليك في لبنان
اللجنة الأسقفية لوسائل الإعلام في لبنان
المركز الكاثوليكي للإعلام في لبنان

د. جوسلين خويري حول التحديات الثقافية والإجتماعية التي تواجهها العائلة في عالم اليوم

كلمة د. جوسلين خويري

المسؤولة عن مؤسّسة يوحنا بولس الثاني

حول ندوة "التفكّك الإجتماعي والمجتمعي وتأثيره على العائلة"

في المركز الكاثوليكي للإعلام 26 كانون الثاني 2017

 

في التحديات الثقافية - الاجتماعية

التي تواجهها العائلة في عالم اليوم

 

مقدمة:

يشهد العالم اليوم ما يسمى بثورة التواصل التي تحمل في تداعياتها ذروة التحولات الثقاقية والاجتماعية التي اسست لها وبلورتها ديناميكية الثورات المتعاقبة، إنطلاقا من الثورة الفرنسية والثورة الصناعية والإشتراكية الى ثورة ايار 1968 التحررية الجنسية في فرنسا.

هذا المسار الثقافي والإقتصادي الذي تقاسم الفكر الإنساني، عبر علمانية راديكالية وإلحادية ممنهجة، ومن خلال نظرة ليبرالية فردية متفلته وإشتراكية جماعية مطلقة، عمل على ما يسمى ب "تحرير العقل البشري" من معطيات الوحي الالهي والقانون الطبيعي والمفهوم السماوي لكرامة الإنسان وحريته المسؤولة التي يضع العائلة في قلب البناء الإنساني والإجتماعي، كمدرسة طبيعية للمحبة والتضامن وروح المسؤولية والتضحية.

نحن اليوم نواجه مرحلة جديدة وخطيرة في هذا المطاف التحرري العشوائي الذي يتجلى في تحديات حضارية تضع العائلة في المقدمة، اي على خط المواجهة الاساسي. نذكر من هذه التحديات :

  • اولا: التعتيم على قيمة الحياة البشرية وقدسيتها، من خلال قوننة  التعديات التي تطالها في بدايتها ونهايتها، والتي تقرر وتمارس في قلب العائلة (نتكلم عن الاجهاض والقتل الرحيم والتلاعب الجيني وغيرها) فتعود بنا، كما ذكر القديس يوحنا بولس الثاني في رسالته " إنجيل الحياة "، الى نهج قايين الذي قتل اخاه... كما ادت هذه الممارسة التي فصلت ما بين العلم والتقنية من جهة والبعد الاخلاقي لحياة الانسان من جهة اخرى، الى إنقلاب في المعايير والاولويات فانتقلنا من "حق الطفل" الى "الحق بالطفل" وفصلنا ما بين الحب والحياة، فبتنا نصنع الحياة بدون الحب ونطلب حبا لا يريد ان يتحمل مسؤؤولية الحياة.

·       ثانيا: التطاول على الهوية الانسانية في بعدها الجنسي التي جعلها الله لكل من الرجل والمرأة ليعيشا الحب في الإختلاف والعطاء المتبادل الذي وحده يضمن إستمرارية الحياة كثمرة للحب المجاني والكامل. والمس بهذه الثنائية عبر تحويلها إلى مروحة من الهويات المثلية والتحولية تتناقلها نظريات انتروبولوجية إجتماعية، تهدد في ديناميكيتها المعروفة مفهوم الخلق والزواج والنموذج العائلي في شكله ودوره وفلسفته وهدفيته، خصوصا لدى الاجيال الشابة.

·       ثالثا: الممارسة المغلوطة لمفهوم الحرية الذي حولته حضارة الفرد والمادة والاستهلاك الى إنعتاق قاتل "من الله وليس به". ولان الكسوف الذي يطال اليوم صورة الله الابوية، هو محو ممنهج لهوية الإنسان في جوهرها البنوي الذي يتحقق في التناغم الاخلاقي الحر ما بين الإرادة البشرية والتدبير الالهي الصالح.

·       لذلك، ودون الانسياق في نظرة تشاؤمية قاتمة، فإن هذا الضغط الثقافي العشوائي الفائض عبر وسائل التواصل على انواعها والذي، على جاذبيته التقنية، يهدد سعادة الانسان ومستقبله، يضع العائلة امام إستحقاق تربوي ومعيشي يتخطى قدراتها ويشعرها بالعجز والعزل.

وبما اننا امام نتاج ثقافي تراكمي فلا بد  لنا من خطة عمل هادفة ومنهجية متكاملة تتضافر فيها الجهود بين العام والخاص، بين العائلة والمدرسة والدولة والمرجعيات الدينية والرعوية، خطة ترتكز على تبن واضح وصريح " للمؤسسة العائلية " كضامن للقيم والاستقرار الإجتماعي. خطة تعمل على محورين: إجتماعي وثقافي في آن:

Ø   المحور الإجتماعي وهو يهدف إلى مساعدة العائلة المتعثرة على إستعادة الرجاء بمستقبلها وقدراتها، من خلال تشريعات إجتماعية واضحة داعمة للامومة والابوة، والتعليم المجاني والحر، وتعمل على تسهيل سبل الحياة اليومية وحماية حقوق العائلة واستقرارها كعامل حتمي في مسيرة المجتمع الانسانية والاقتصادية والسياسية على السواء. ان تكون العائلة في جوهر المقاربة الإجتماعية هو افضل السبل واقصرها لمعالجة العديد من الآفات والاخطار التي تحيط بمجتمعنا.

Ø   الثاني وهو المحور التربوي- الثقافي الذي يقوم اولاً واخيراً على خيارات ثقافية واضحة، تحدد الخيار اللبناني بالنسبة لموضوع الانسان والمجتمع. إن تبني القيم العائلية كخلفية حضارية للبنان يحتم علينا عملا جادا، تربويا إقتصاديا وسياسياً-إجتماعياً، وحده قد يعد باستعادة لبنان لرسالته الإنسانية الرائدة.

-------------

المركز الكاثوليكي للإعلام