EN | FR

مجلس البطاركة والاساقفة الكاثوليك في لبنان
اللجنة الأسقفية لوسائل الإعلام في لبنان
المركز الكاثوليكي للإعلام في لبنان

مداخلة الأباتي سمعان أبو عبدو حول ندوة "التفكّك الإجتماعي والمجتمعي وتأثيره على العائلة"

 

مداخلة الأباتي سمعان أبو عبدو  ر.م.م

منسق مكتب راعوية الزواج والعائلة في الدائرة البطريركية المارونية

ندوة "التفكّك الإجتماعي والمجتمعي وتأثيره على العائلة"

المركز الكاثوليكي للإعلام 26 كانون الثاني 2017

 

دور العائلة في تنشئة الأولاد وبناء مجتمع سليم

حيث تذهب العائلة يذهب المجتمع ويذهب الوطن

 

في العائلة، تبدأ إعادة البناء، بناء العقول والقلوب، العقول النيرة، والقلوب المتآلفة، بناء الأمل ، بناء الإيمان بالله، بناء الثقة بالنفس، الثقة بأن المستقبل لنا ولأبنائنا وبناتنا. إنّ التربية على القيم ليست طريقة تصرّف خارجيّة، بل يجب أن تغيّر عقلنا وقلبنا ومشاعرنا وطريقة تصرّفاتنا، وصولاً إلى طريقة رؤيتنا للأمور.

من المهم جدًا أن نذكّر أن تربية الأبناء الشاملة هي "واجب خطير جدًّا"، وفي الوقت نفسه "حقّ أساسي" للوالدين. إنها ليست مجرد مهمة أو عبء، ولكن أيضًا حقّ أساسيّ لا غنى عنه، وهم مدعوّون للدفاع عنه ولا ينبغي لأحد أن ينتزعه منهم. توفّر الدولةُ خدمةً تربويةً بطريقة تكميلية، وترافق وظيفة الأهل غير القابلة للتفويض، فالأهل لديهم الحق في حرية اختيار نوع التربية التي ينوون توفيرها لأبنائهم وفقًا لقناعاتهم. المدرسة لا تحل محل الوالدين ولكنها مكمّلة لهم. هذا هو المبدأ الأساسي: "أي مساهم آخر في العملية التربوية يجب أن يتصرف باسم الوالدين وبموافقتهما، وإلى حد ما، بتكليف منهما". ومع ذلك، فقد "فُتحت فجوة بين العائلة والمجتمع، وبين العائلة والمدرسة؛ وهكذا دخل العهد التربويّ بين المجتمع والعائلة في أزمة" 84مهمة العائلة أن تربي على القيم. وهذه القيم تَستمد حيويَّتها من مبدأ الانفتاح على المطلق، فالقيم التي نعرفها وهي: المحبة، الحرية، الحق، الشجاعة، الصدق، السلام، الحوار، المشاركة، الصبر، العدالة، التضامن، الفرح، التواضع، المغفرة، الخير العام، احترام الحياة، وغيرها، كل هذه القيم نستلهمها من نداء الانجيل في دعوة الرب يسوع لنا : "كونوا  كاملين  كما  أن  أباكم  السماوي  كامل هو" (متى 5/48). هذا هو المطلق الذي نستند إليه في فهمنا للقيم.

نعيش اليوم عصر السرعة في تكوين المعارف وتحركها. والمجتمعات باتت أكثر تركيباً في عصر شبكات التواصل والاعلام. والسؤال المطروح اليوم يكمن في كيفيّة استخدام ذكائنا البشري في استخدام العلوم والتقنيات لتكون في خدمة الانسان.

إنّ التكنولوجيا وتقنيات التواصل الإجتماعي ألقت بسحرها وثقلهاعلينا، أسهمت لحد كبير في إلغاء التواصل الشخصي المباشر بين الناس وعطّلت العلائق الاجتماعيّة. فتحوّل أولادنا، بتعلقهم بهذه التقنيات إلى شبه دمى اتكاليين ومستهلكين للمعرفة دون أن يكونوا منتجيها. يعيشون في وحدة قاتلة لأحاسيسهم ومشاعرهم، وفي غربة عن ذواتهم ومحيطهم. مع العلم أننا لا نستطيع أن نتنكر لدور الإيجابي والكبير لوسائل الإتصالات الحديثة.

إنّ الحياة العائلية هي الإطار تربوي مميز في تنشئة الأولاد وبناء مجتمع سليم

سأحاول أن أستند في مداخلتي هذه إلى الإرشاد الرسولي للبابا فرنسيس، "فرح الحب"، الفاتيكان 19 آذار 2016. الفصل السابع: تعزيز تربية الأبناء، عدد 259 - 290

إنّ الاستحواذ لا يُعلِّم Mais l’obsession n’éduque pas، ولا يمكن السيطرة على جميع الأوضاع التي قد يمر بها أولادنا. هنا ينطبق مبدأ "الزمن أسمى من المساحة". والذي يعني، أن الأمر يتعلق بابتكار تدابير، أكثر من مجرد البحث عن السيطرة على المساحات. فإن كان هاجس أحد الوالدين هو أن يعرف أين يتواجد ابنه ، ويرغب بالتحكم في جميع تحركاته، فهو بذلك يبحث عن السيطرة على مساحته. وهو بهذه الطريقة لن يعلمه ولن يقوّيه، ولن يحضّره لمواجهة التحديات. إنما ما يهم في الأساس هو تنشئة الأبناء، بحب كبير، من خلال عملية إنضاج حريته، وتحضيره لمسيرة نمو شاملة، وزيادة الاستقلالية الأصيلة لديه. فيكتسب الولد بنفسه، فقط بهذه الطريقة، العناصر التي يحتاجها للدفاع عن نفسه وللتصرّف بذكاء وبتبصّر في الظروف الصعبة. لذا، فإن السؤال الأهم ليس أين يتواجد الابن جسديًّا، وليس مع مَن هو متواجد في هذه اللحظة، إنما أين يتواجد بالمعنى الوجودي، وأين هو مِن قناعاته، وأهدافه، ورغباته، ومشروع حياته. لذلك، فإن الأسئلة التي أطرحها على الأهل هي: "هل نسعى إلى فَهم «أين» هم الأبناء فعلًا في مسيرتهم؟ هل نعرف أين يذهب فكرهم فعلا؟ وقبل كل شيء: هل نريد أن نعرف؟. 261

يجب على الأهل معرفة أنّ الأولاد ليسوا ملكية للعائلة، بل أمامهم مسيرتهم الشخصيّة في الحياة.

ما هي الوسائل الصحيحة للعيش مع أولادنا ضمن إطار العائلة؟

وحدها اللحظات التي نقضيها معهم بالتحدث ببساطة وبعاطفة عن الأمور المهمة، والامكانيات الصحية التي نوفّرها لهم حتى يتمكنوا من شغل وقتهم، هي ما سيسمح لهم بمقاومة الغزو الضار. إننا بحاجة دائمة إلى اليقظة. فالإهمال لا يفيد أبدًا. وعلى الاهل أن يوجِّهوا ويُحذروا أطفالهم والمراهقين منهم كي يعرفوا كيف يواجهوا الحالات التي قد يجدون فيها، على سبيل المثال، مخاطر الاعتداء والتعسف أو الإدمان.

تقتضي التنشئة الأخلاقية الفعالة اظهار مدى استفادة الشخص ذاته من عمل الخير. لأنه مِن غير المجدي اليوم أن نطلب أمرًا يتطلب جهدًا وتنازلات، دون أن نظهر بوضوح الخير الذي يمكن أن ينتج عنه.

إن تقوية الإرادة وتكرار بعض التصرفات يشكّلان السلوك الأخلاقي، لدرجة أنه يصبح من غير الممكن إتمام التربية، في هذا الاتجاه، بدون التكرار الواعي والحر والمُشجِع.

( مثلاً) ترداد العبارات مثل: من فضلك وبعد إذنك، وشكراً.

فمسيرة التربية الاعتيادية تتكون من خطوات صغيرة، تكون مفهومة ومقبولة وتتطلب تنازلات متناسبة. خلافًا لذلك، مَن يطلب الكثير لا يحصل على شيء.

إن الشهادة التي يحتاج إليها الأطفال من أهلهم هي ألا يتصرفوا بدافع الغضب.

فالطفل الذي يقوَّم بطريقة ملؤها الحب يشعر بكونه محل تقدير، ويدرك بأنه شخص، ويعي بأن أهله يثمنون ملكاته الخاصة.

ينبغي الوصول إلى التوازن بين نقيضين كلاهما مضر على حد سواء: الأول يفترض بأن على المرء أن يبني عالمًا يُلبي جميع رغبات الطفل، عالمًا بمقياس ما له من حقوق وليس ما عليه من مسؤوليات. أما النقيض الآخر فيكمن في أن يعيش الطفل دون وعي بكرامته، وبهويته الفريدة وبحقوقه، تحت قهر واجباته، مذعنا لتحقيق رغبات الآخرين.

تُظهِر المساهمات القيمة لعلم النفس والعلوم التربوية بأن العملية التربوية يجب أن تتم بشكل تدريجي عندما يتعلق الأمر باكتساب سلوكيات مغايرة. وتُظهر كذلك أن الحرية هي أيضًا بحاجة إلى أن تكون مُوجهة ومُحفّزة، لأنها إذا تُركت لنفسها فإن هذا لن يضمن نضوجها الخاص.

في عصرنا الحالي، حيث يسود القلق والتسارع التكنولوجي، يكون الواجب الأهم للعائلات هو تنمية القدرة على الانتظار. إن الأمر لا يتعلق بمنع الأطفال من اللعب بالأجهزة الالكترونية، إنما بإيجاد السُبل التي تولِّد فيهم القدرة على التفريق بين الأنماط المختلفة، وبعدم تطبيق السرعة الرقمية على جميع مجالات الحياة. التأجيل لا يعني نفي الرغبة، إنما تأجيل تحقيقها. فعندما لا يتعلم الأطفال أو المراهقون قبول أن بعض الأشياء يجب أن تنتظر، فإنهم يصبحون عديمو الصبر، ويسعون لإخضاع كل شيء لإشباع احتياجاتهم العاجلة، فينمون برفقة تلك العادة السيئة: "كل شيء وفورًا". ويعتبر هذا خدعة كبيرة لا تشجع على الحرية، إنما تُسمِّمها. بينما، عندما يتم التنشئة على كيفية تأجيل بعض الأمور وانتظار الوقت المناسب، فإن الشخص يتعلم ماذا يعني أن يكون سيد نفسِّه، شخصًا مستقلا أمام نزواته الخاصة. هكذا، عندما يختبر الطفل بأن عليه أن يتحمل مسؤولية نفسه، فهذا يثري فيه اعتزازه بذاته. في الوقت نفسه، هذا يعلمه احترام حرية الآخرين.

إنما يجب ان يكون واضحًا بان التقنيات لا تستطيع ان تنشئ أو تستبدل الحاجة إلى الحوار الشخصي والعميق الذي يتطلب التواصل الجسدي أو على الأقل صوت الشخص الآخر. إننا نعلم أن هذه الوسائل، في الواقع، تُبعّد الأشخاص بدلا من أن تقرّبهم، كما يحدث عندما، وقت الغذاء يكون كل واحد منهم مسمرًا عيونه في هاتفه المحمول أو عندما ينام أحد الزوجين وهو ينتظر الآخر الذي يقضي ساعات برفقة الأجهزة الالكترونية. يجب أن تكون التقنيات في العائلة أيضًا حافزًا على الحوار والاتفاق الذي يسمح بمنح الأولوية للقاء العائلة، دون الوقوع في محظورات لا معنى لها. مع ذلك، لا يمكن تجاهل مخاطر اشكال التواصل الجديدة بالنسبة للأطفال والمراهقين، التي في بعض الأحيان تحولهم إلى فاقدي الإرادة، ومنفصلين عن العالم الحقيقي. إن هذا "التوحد التكنولوجي" يعرضهم بشكل أسهل لعملية التلاعب من قبل أولئك الذين يريدون الوصول إلى حميمتهم من أجل مصالح أنانية.

بما أنّ العائلة هي الخلية الأساسية الأولى في المجتمع، بات على الجميع أن يسعى لإنجاح دور العائلة: إنها مهمة الكنيسة والدولة.

تعتبر العائلة بيئة التنشئة الاجتماعية الأولى، لأنها المكان الأول الذي يتعلم فيه المرء كيفيِّة مواجهة شخص آخر، والاصغاء، والمشاركة، والتحمل، والاحترام، والمساعدة والتعايش. لذا يجب أن يثير الواجب التعليمي الإحساسَ بالعالم وبالمجتمع بمثابة "البيئة العائلية". إنه تربية على كيفية تعلم "التعايش" خارج حدود البيت الخاص. ففي السياق العائلي يتم تعلم كيفية استعادة القُرب من الآخر، والاهتمام ببعضنا البعض، والقاء التحية. هنا يتم كسر الحلقة الأولى لدائرة الأنانية المميتة، أي عندما نتعلم أننا نعيش جنبا الى جنب مع آخرين يستحقون اهتمامنا، ولطفنا وعاطفتنا.

ففي ضوء استنارتنا من روح الرب، كيف يمكننا التعاطي مع أولادنا وتنشئتهم على القيم الصحيحة، أي ما هي المفاهيم الاساسيّة او المقاييس التي تمكّننا من التعاطي مع هذا الامر:

1 – المقياس الاول: الحقيقة. 2 – المقياس الثاني: الحرية. 3 – المقياس الثالث : الحس بالواجب. 4 – المقياس الرابع: الاصغاء. 5 – المقياس الخامس: الخدمة

"الكبير فيكم فليكن لكم خادماً". نحن في هذه الدنيا، خدام بعضنا لبعض. نعطي مجاناً ما أعطي لنا مجاناً. وقد اعطانا الله كل شيء مجاناً. بهذه الروحية التي هي شكل من أشكال المحبة، نبني في عقول أبنائنا فعل الشراكة الحقيقية في خيرات هذه الدنيا التي وهبها الله لنا. وهكذا نبني روح العدالة, والمساواة, والمواطنية الحقة، ونقضي على روح التقوقع، والفئوية، والانغلاق.

إذا أردنا أن نربي على القيم والأخلاق، فالعائلة هي الإطار الأول والأساسي.

"عندما تُفتقد الأسرة ينشأ في الشخص الآتي إلى العالم نقصٌّ مقلق وأليم، يكون ثقيلاً على حياته كلها في ما بعد". (القديس البابا يوحنا بولس الثاني، رسالة إلى الأسر، الفاتيكان 2004. عدد 2).

إنّ مسألة مستقبل شبابنا الأخلاقي وعيش القيم الروحية والإنسانية والوطنية رهنٌ بما تكون عليه العائلة اليوم، وعلى أية مبادىْ تربي.  لنحسن قراءة علامات الأزمنة، ولنتبين إشارات الروح:

فحيث تذهب العائلة يذهب المجتمع ويذهب الوطن.

---------------------

الأباتي سمعان أبو عبدو  ر.م.م، منسق مكتب راعوية الزواج والعائلة في الدائرة البطريركية المارونية، حائز عل دكتوراه  في لاهوت الزواج والعائلة من معهد البابا يوحنا بولس الثاني، روما – إيطاليا. أستاذ جامعي في مادة أخلاقيات الزواج والعائلة.

 

المركز الكاثوليكي للإعلام