EN | FR

مجلس البطاركة والاساقفة الكاثوليك في لبنان
اللجنة الأسقفية لوسائل الإعلام في لبنان
المركز الكاثوليكي للإعلام في لبنان

كلمة الإيكونومس الياس رحال ندوة "طاعة مريم" في المركز الكاثوليكي للإعلام

كلمة الإيكونومس الياس رحال

المسؤول عن الحركة الكهنوتية المريمية في لبنان

ندوة "طاعة مريم"

في المركز الكاثوليكي للإعلام 8 حزيران 2017

 

في بدء الخليقة وكما يرويها سفر التكوين، نرى أنّ الله خلق جدّينا الأولين في حالة الكمال، مانحاً إياهما السيادة على كل شيء، إلاّ على الله خالقهما، وعلى الملائكة خدام الله. لذلك، منحهما معرفة كل قوانين خلقه للكون وأسراره، محتفظاً لنفسه بسرّ تكوينه للإنسان، وطلب منهما تكثير الجنس البشري من خلال حبّه الذي يجري منهما: "إنموا وأكثروا واملأوا الأرض."

إن الشيطان الذي فقد الله ومكانته العاليه في السماء بسبب كبريائه التي جعلته يُساوي نفسه بالله، اراد أن ينتزع من الإنسان عذرية ذكائه المرتبطة في طاعة الله ووصاياه، فدنا من حواء حين كانت بعيدة عن زوجها، نافساً في عقلها وقلبها وجسدها سمّ التمرّد والإنفصال عن الله، لتقرّر هي مصيرها بنفسها، إي تأليه ذاتها؟ وبدل أن تستنجد حواء بالله لكي يطهّرها بنفخته الإلهية لتمسة سمّ أكاذيب الحبة وأضاليلها، فبالعكس استمعت إليها وإلى عرضها، وأذ رأت مثمرة الشجرة صالحة للأكل، جميلة للعينين، ولطيفة للنظر، فقطفت وأكلت منها. ومن تلك اللحطة هبط المكر في أحشائها مع لسعته، فبدأت تعيش بعينين جديدتين، وتسمع بأذنين جديدتين عادات الوحوش وأصواتها، واشتهتها اشتهاءً جنونياً، وبدأت وحدها الخطيئة، ثم أنهتها مع رفيق حياتها، فسقط الإثناء وكان سقوطهما عظيماً.

مريم على عكس حواء الأولى، اختارت الدرب أو الإتجاه المعاكس لقد أطاعت الله في كل شيء. سألها بأن تكون عذراء، فأطاعت ودخلت الهيكل. وبعد حبّها للبتولية وتعلّقها بها، سألها الله بأن تكون زوجة فأطاعت، رافعة الزواج إلى درجة النقاء التي كان فيها في فكر الله حين خلق الوالدين الأولين. وإذ رآها واثقةً بأنها معدّة للوحدة في الزواج ولإزدراء القريب. بسبب عمقها المقدس، سألها إذاك بأن تكون أمّا لابنه الوحيد المخلص، فأطاعت طاعةً لم يُسمع بمثلها من قبل وأجابت: "ها أنا أمة الرب، فليكن لي بحسب قولك." لقد أصبحت خادمة للربّ في جسدها، في سلوكها، وفي روحها، مُتكله عليه ليس فقط بالنسبة إلى الحبل العذري، بل وبالنسبة إلى حماية شرفها وتعزية زوجها القديس يوسف.

لقد قالت لله "نعم"، وكان ذلك كافياً. فألغت بهذه الطاعة مخالفة حواء لأمر الله. لقد قالت لله نعم يا ربّ، كما تشاء، سوف أعرف ما تشاء، سوف اسمع ما تشاء، سوف أنظر ما تشاء، وسوف أحيا كما تشاء. فأن شئتَ أن أنعم أو أن أتألّم، فدائماً سأردّد "نعم يا ربي". بنعم مريم، انتُزعت الخطيئة التي سبّبتها الآم الأولى حواء، وهُزمت وأبيدت. لقد أوزيلت بدموعها وأبيدت بطاعتها.

القديس الفونس دوليفوري يقول "إن حبّ مريم لله وحبّها لطاعته، جعلها تختار إسماً واحداً لها "أمة الرب" أي خادمته. وإنّ تواضع الخادمة يرتكز في الاستعداد الدائم للطاعة. إن طاعة مريم كانت تفوق كل طاعة القديسين مجتمعين وهي أكثر كمالاً، لأن البشر ميّالين إلى الشرّ بسبب الخطيئة الأصلية، فهم يجدون صعوبة في صنع الخير على الدوام."

أما مريم فلم تكن كذلك، لأنها كانت معصومة من الخطيئة الأصلية بإرادة الله، لكي تتمكن من أن تصير أماً لإبنه يسوع وتشاركه في عملية الخلاص على حسب ما رتّب لها، فأطاعت مريم كل إلهامات الله بطواعية كليّة."

تابع " كانت حياتها كلها على الأرض في أن تفتش ما هي إرادة الله، وأن تطيعها، لأن الله وحده دون أيّ خليقة أخرى هو الذي كان يسكن قلبها. فمنذ سماعها صوت الله، كانت نفس مريم تذوب (سفر الأناشيد 5،6). إن نفسها وكما أضاف ريكاردوس كانت مثل "معدن ذائب، مستعد ليأخذ كل الاشكال التي يريد الله أن يعطيها".

لقد أطاعت مريم الشريعة اليهودية، إن في الإكتتاب أو الختانة، متحملة مشقة السفر الطويل إلى بيت لحم وإلى اورشليم، وأمّ الملك ولدت إبنها في إسطبل بعد أن أغلقت أمامهما كل الفنادق والبيوت بسماح من الله الآب، ليزيدها فقط تعلقاً به ويزيد تواضعها ومحبتها للفقر، والتجرّد من كل الأشياء. وعندما أمر الملاك يوسف بالهرب بالصبي وأمّه إلى مصر، أطاعت مريم زوجها دون أن تسأل لماذا لم يظهر لها هي الملاك، وكان ذلك كله لكي تطيع زوجها في كل شيء على ما نصّت عليه الشريعة.

أما الطاعة البطولية فوق كل ما فعلت مريم،  كان عندما قبلت أن تقدّم ثمرة أحشائها ذبيحة كفّارة على الصليب، منتصبة أمامه برباطة جأش لكي تقم إرادة الآب السماوي، لذلك تدعوها الكنيسة مشاركة لإبنها في الخلاص. وقد ذهب القديس اوغسطينوس إلى القول "لو لم يكن هنالك جلاّدون ليصلبوا إبنها على الصليب، لكانت مريهم هي من قامت بذلك بنفسها. أمّا المكرم Bède، وفي شرحه لجواب يسوع للسيدة التي صرخت قائلة: "طوبى للبطن الذي حُملك والثديين الذين أرضعاك"، فقال: "إن مريم كانت أكثر سعادة بطاعتها لمشيئة الله، من أنها اختيرت لتكون أم الله.

إنّ الذين يمارسون الطاعة هم محبوبين بشكل فريد من العذراء مريم فقد وجّهت اللوم في أحد الأيام إلى راهب حاول أن يقدم أعمال تقوية وقد سمع الجرس الذي يدعو الرهبان للذهاب إلى المائدة للغداء.

أخيراً لقد أخبرت العذراء مريم القديسة بريجيتا، بأنها نالت من الله باستحقاقات طاعتها، بأن كل الخطأة التائبين الملتجئين إليها سينالوا منه المسامحة والغفران."