EN | FR

مجلس البطاركة والاساقفة الكاثوليك في لبنان
اللجنة الأسقفية لوسائل الإعلام في لبنان
المركز الكاثوليكي للإعلام في لبنان

أبو كسم من حارة صيدا : إن مسؤولية الحفاظ على الوطن، هي مسؤولية مشتركة بين كل الأطراف ولو اختلفوا بالسياسة

موقع شبكة الزهراني الإخبارية

27/09/2017

 

تتابع بلدة حارة صيدا إحياء مراسم ذكرى عاشوراء ، وتخلل المجلس كلمة لمدير المركز الكاثوليكي للإعلام الخوري عبده أبو كسم ، أكد فيها على معاني ثورة الإمام الحسين وقيامه ضد الظلم والباطل معتبراً ان مشهدية كربلاء تؤسس للعيش الواحد نسبة إلى مشاركة أكثر من نسيج ديني فيها لا سيما من النصارى والعجم ، وأضاف أبو كسم أن ثورة الحسين ايضاً هي ثورة لكل زمان ومكان ، لافتاً إلى ما قام به الإمام موسى  الصدر لجهة مواجهة الحرمان والطائفية . 

ويسر شبكة الزهراني الإخبارية ان تنشر النص الكامل للكلمة لما تحمل من مفاهيم قيمة ومعاني سامية تساهم في تعزيز روح الوحدة الإسلامية المسيحية وفيما يلي نص الكلمة : 

أصحاب السماحة، أصحاب السعادة،أصحاب الفضيلة

يأ أبناء الحسين الأحباء،

 نلتقي وإياكم في هذه الليلة من أيام عاشوراء المباركة، لنستذكر واقعة الغدر بأبي عبدالله، يوم قرّر مناصرة الخير على الشرّ، فهذه الذكرى الحزينة تمتد في التاريخ لتصل إلى الصراع الكوني بين الحق والباطل والخير والشر وبين العدل والظلم، أجل هذه المسلمات الكونيّة تحكم مصير الإنسان، فإما أن يتغلّب على الشر ويخلص ويخلص من معه، وإما ان يغرق في رمال الخطيئة والجهل ويهلك نفسه وأمته.

 ثورة الحسين، ثورة على الظلم والباطل

إن الحسين اختار الطريق الأصعب حين قرّر الدخول في هذا الصراع الكوني، من خلال الثورة على الفساد في إمته، فثورته ارتكزت على الشهادة للحق، وتبقى هذه الشهادة عنواناً حسينياً يسير عليه كل المؤمنين بكرامة الإنسان، وبالعدالة الإجتماعية والسياسية، فالحسين حمل مشعل الرسالة المقدسة والمباركة وعمّدها بدم الطهارة، ليغسل مجتمعه من رجس الخطيئة والظلم، لم يستسلم أَمام المنافقين والمخادعين، لم ينغمس في جهل الحكام، لم تغره سلطة ولا مال ولا جاه، ولا مقام السلاطين، ولا عروش الملوك، ولا ملذات الأَرض والذهب، وحده نور الله غمر قلبه فأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، فأضحت ثورته نبوّة لمن يناصرون الحق على الباطل والعدل على الظلم، عاشقٌ في هوى الله أنت يا حسين، فأحببت رحمته وبشّرت بها وقدّمت ذاتك قرباناً عن أُمتك وعشيرتك وبني قومك، قربت ذالك عن المستضعفين والمقهورين والمعدمين والمهمشين والمعذبين والمغرر بهم.

خرجت من المدينة إِلى مكة، لتهز الضمائر النائمة على وسادة المكائد، مكائد يزيد بن معاوية الذي بدّل معالم الإسلام وانغمس في الشهوة والرذيلة، خرجت مع الشيوخ والأطفال والنساء، لتقود الثورة على الجهل، خرجت وأَنت تبغي السلام لا الحرب، ولتوّلد صحوة في الضمير والقلب، خانوك يا حسين وخانوا اسلامهم، اسلام العدل والسلام، رفضت مبايعة يزيد بن معاوية وقد اغتيل والدك ومات أَخوك الحسن، فالخلافة لك يا ابن بنت النبي السيدة فاطمة الزهراء، أيها الثائر والشهيد، أكنت تعلم ان شباك الموت والغدر كانت منصوبة لك؟ أَبيت الاّ أن تسير على خطى أبوك الذي استشهد قبلك، وأنت على نهجه تخط نهج الحكمة والفضيلة على أَرض الكرامة. وقفت رافعاً جبينك تنتظر الشهادة لربك، كيف لا وأَنت عشقت الصلاة في محرابه؟

أمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر. كنت الصوت الصارخ الذي دعا إِلى الإصلاح في أمّة جدّة. أَلم تقل «إذا كان دين جدي لا يستقم إلاّ بقتلي، فيا سيوف خذيني» نعم كنت الحمل الذبيح على مذبح الصحراء لتجدد أمّة جدك أمّة الإسلام ليولد من رحمها حضارة الحرية والعدالة والثورة والحب، فكنت عن حق المنتصر للمظلومين والمعذبين.

مشهدية كربلاء تؤسس للعيش الواحد

لقد حملت يا سيد الشهداء، الحب ومخافة الله حين خرجت من المدينة المقدسة أنت ومن معك، مئة عائلة، علم ابن زياد بقدومك قبل أَن تصل، فكمن لك الحرّ بن يزيد الرياحي مع ألف جندي وفارس، وأجبرك وعيالك أن تسير معهم إِلى خارج أسوار الكوفة، بعد أن منعوك من الدخول إِلى العراق لتصل إلى كربلاء في الصحراء. إِلى درب العذاب والأَلم. درب كربلاء، درب العذاب، هيهات منا الّذلة قال أصحاب الحسين وأهله. وأنت يا حبيب الله يا حسين أشبعوك قتلاً ورماحاً وعمر بن سعد أحد قادة يزيد يصرخ بك امّا السلة وإمّا الذلة، أَي إمّا أن تركع وتذل إمّا أَن تموت، أَنت يا حسين، صرخت هيهات منّا الّذلة أنت يا ابن بنت رسول الله، كسّرت قيود الخوف كتبت على رمال الصحراء بدمائك شرف أُمتك وانبعثت رمزاً مقاوماً شريفاً نهجاً سلكه الشيعة منذ يوم الخلافة وحتى يوم القيامة، إنه نهج الشرفاء الذين يبعثون وهم عند ربهم أَحياء يرزقون.

إن ثورة الحسين هي ثورة جامعة بمعنى أنها ضمت من النصارى والعجم والشيوخ والنساء والأَطفال ما يمثل شرائح المجتمع. من ينسى تلك الليلة الحزينة التي هبّ فيها وهبّ المسيحي وعروسه، وجون الخادم الأمين، لنصرة الحسين وبني قومه؟ هبّوا بدافع من الحبّ والمودة والتضحية والجيرة. سمعت أم وهب صرخة الحسين، فطلبت من ابنها أن ينصر الحسين في شدته، فتمسكت به عروسه فأبعدها وخرج فقاتل قتالاً شرساً وانتصر وعاد إِلى أمّه وسألها هل رضيت فقالت: لا، لا، لا أَرضى حتى أراك شهيداً مع الإمام الحسين، فذهب وقاتل واستشهد، وقطع الأعداء رأسه، ورموا به إِلى خيمة زوجته التي خرجت حاملة عاموداً وهجمت على معسكر الأعداء، فارسل الإمام الحسين اخته زينب لتعيدها لأنه لا يليق القتال بالنساء، فأبت، فأتى جندي وضربها على رأسها واستشهدت. ثم قتل الأعداء أم وهب، ولحق بهم جون الخادم المسيحي، وطلب من الحسين الموت لأجله، فأجابه الحسين أنت ليس عليك الموت والحرب، فقال الخادم، أنا في الرخاء آكل من قصاعكم  وفي الشدة أخذلكم؟ فأبى إِلاّ أَن يقاتل، وقاتل واستشهد.

عندها قام الحسين ورثا عبده بمرارة ووضع خده على خده وقال «فلا عبد فيكم، لا بل أقربكم إِلى الله أَتقاكم». إن الشركة المسيحية الإسلامية، والعيش الواحد ليسا وليدة اليوم، إِنما ولدا من رحم عاشوارء من الشراكة بالدم في الإستشهاد في واقعة كربلاء.

وأنت يا حسين بقيت وحدك وكنت تعرف أَن سيوفهم عليك، جاءت إِليك اختك زينب، وأعطتك الفرس وقمت للقتال، وخوفك على النساء من السبي، قاتلت حتى قال فيك عمر بن سعد: «إذا بقي فيكم هكذا فلن يبقى منكم أحداً انه ابن أَبي تراب ابن الإمام عليّ، فأحاطوا بك من كلّ جهة واطلقوا عليك سهماً مثلث الشعاب فأصابوك في الكبد والعين والرأس، ووقعت شهيداً مدرجاً بدمائك على الأَرض وهجموا عليك وقطعوا راسك ورفعوه على الرماح وأحرقوا الخيام وأَمروا بسبي النساء وهنّ بنات رسول الله، يا للعار سيبقى هذا المشهد مطبوعاً في ذاكرة التاريخ وجرحاً ينزف في قلب أبناء الحسين.

أيّها السادة،

إن عاشوراء هي بحق انتصار على الظلم ومن رحم كربلاء ولدت المقاومة، مقاومة الخير على الشر، والعدل على الظلم والحق على الباطل، في ذاك اليوم أًصاب الحسين سبعين جرحاً وجمع التراب يضعه على جبهته وهو يناجي ربه ارفع الظلم عن شعبي.

 ثورة الحسين هي ثورة الأحرار في كل زمان ومكان

إن ثورة الحسين هي ثورة الأحرار في كل زمان ومكان، وفي الزمن المعاصر، لا بد لنا من استذكار الثورة التي قادها سليل الحسين الإمام السيد موسى الصدر، ثورة المحرومين التي ولو كان يقودها في الواقع إمام شيعي، إِنما كان إماماً لكل اللبنانيين المستضعفين الغارقين والتائهين على دروب الطائفية التي أشعلت نيران الحرب آنذاك بين اللبنانيين. وما شهدناه ونشهده من ثورات وتغيرات في محيطنا العربي سيبّدل بشكلٍ أو بآخر وجه هذه الدول، ونأمل، أن تساهم هذه الثورات في تعزيز الديمقراطية، وتأمين حقوق الإنسان، ونشر العدالة الإجتماعية بين أبناء الوطن الواحد والأمة الواحدة، دون النظر بين الفوارق في الدين والمذهب والطبقة الإجتماعية. فالتاريخ أيها الأصدقاء يعيد نفسه، فلا الظلم يدوم ولا الديكتاتوريات تصمد أَمام إرادة الشعوب، التي تنادي بحقوقها. ورفع الظلم عنها، لهذا فمن واجب هذه الشعوب أن تسعى إِلى المصالحة الوطنية وإِلى الإصلاحات الإجتماعية والسياسية كسبيل لإحقاق السلم المدني والعدالة ونبذ العنف كوسيلة للتغيير.

أَمّا على الصعيد اللبناني الداخلي، فإن حالة التوتر التي يعيشها اللبنانيون في ظل معالجة المواضيع الساخنة، لا يسعنا إلاّ أن نؤكد على ما يطالب به غبطة أبينا السيد البطريرك الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، فغبطته يدعو اللبنانيين على اختلاف طوائفهم وانتماءاتهم السياسية إِلى ترسيخ الوحدة الوطنية على أَساس الميثاق الوطني والولاء الكامل وغير المجتزئ لوطننا لبنان واعتماد اسلوب الحوار الهادئ والتفاهم في كل ما يؤول إِلى سيادة الدولة ومؤسساتها على كامل أراضيها وإِلى استقلالية قرارها السياسي الوطني بعيداً عن أَي تدخل أَو ضغط خارجي.

أَيّها السادة،

إن مسؤولية الحفاظ على الوطن، هي مسؤولية مشتركة بين كل الأطراف ولو اختلفوا بالسياسة إذ ان وحدة الشعب هي الضمانة الوحيدة لبقاء هذا الوطن، لذا فإن المطلوب اليوم هو دعم التواصل مع القوى المعتدلة في مجتمعنا، لتوسيع قاعدة المشاركة الوطنية، والإنطلاق من ان الدين سبيل وطريق إِلى الله الواحد، وإلى السلام الحقيقي وبناء الجسور بين المواطنين كشركاء في الأَرض وأخوّة في المصير.

أختم لأقول:

إن ثورة الحسين كانت نموذجاً في التجرد عن المصالح الضيقة والمصالح الشخصية وتخطتها إِلى تعزيز المصلحة العامة وتغليبها على كل المصالح، علّنا نستفيد مما مضى لنبني معاً مستقبلاً زاهراً لأولادنا، إِذ لا بد من أَن تنجلي الغيوم وتظهر صورة لبنان الأَبيض لبنان القداسة، لبنان الرسالة.

عظّم الله أجركم بمصاب أبي عبدالله الحسين، ساعين دائماً إِلى تمتين الشراكة والمحبة بين كل اللبنانيين.